«اشرب من الحنفية»، قالها مرشدنا السياحي السويسري بزهو وخيلاء، ثم أضاف: فبحيراتنا الألفان نظيفة، وأنهارنا خالية من التلوث، ولا دخان يتصاعد من السيارات والمصانع في مدننا، وانظروا كيف أن سماءنا زرقاء صافية، وهواءنا نقي عليل.

والحق أنني حاولت أن أختبر صحة ما قاله ذاك المرشد، فربما دعته حميّته الوطنية إلى المبالغة، فذهبت إلى «ليك ليمان» التي تطل عليها مدينة جنيف لأتأكد بنفسي، فرأيت ما سر خاطري من مياه رقراقة زلال سائغة للشاربين.

فقلت في نفسي؛ ربما تكون هذه البحيرة استثناءً، فأعدت الكرة في تأمل بحيرات المدن الأخرى التي زرتها، مثل لوزيرن في الوسط، وزيورخ في الشمال، ودافوس (وبحيرتها تسمى بحر دافوس رغم مساحتها المحدودة) في الشرق.

وتلك البحيرة التي تطل عليها مدينة لوغانو الجنوبية، فتأكد عندي بما لا يدع مجالاً للشك أنني في بلد يضع المحافظة على البيئة في قمة أولوياته.

وتأملت تلك الفلك التي تمخر عباب بحيراتها الكبيرة، والمراكب التي تنقل الركاب بين ضفافها حيث المدن والبلدات الصغيرة، فلم أجد لها أي مخلفات من «الديزل والدهون» تلوث صفاء مياهها ونقاءها.

وما زاد يقيني بأن المحافظة على البيئة سياسة متغلغلة في وجدان الفرد السويسري، قبل أن تكون «عصاً حكومية غليظة»، هو أن مرشداً سياحياً آخر ـ وكان في أرذل عمره ـ كرر لنا نفس ذلك القول.

مضيفاً إننا (يشير إلى بني قومه) نتعلم في مدارسنا منذ نعومة أظفارنا، أننا «نحن البشر بحاجة إلى الطبيعة، أما الطبيعة فهي ليست بحاجة لنا»!!

وجمال الطبيعة في سويسرا يأخذ الألباب، فسهولها وجبالها مكسوة بالخضرة والغابات، ولا تغادر الثلوج قمم الكثير من جبالها طوال السنة. بيد أن هذه الطبيعة تختلف عن المناطق الجميلة الكثيرة التي شاهدتها في أنحاء العالم، كالشمال الشرقي والغربي في الولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثال وليس الحصر.

فالطبيعة هنا لم تترك «خاماً» وعلى «علاتها»، بل قام الإنسان السويسري، بما يحمله من وعي وإرادة، بتنظيمها وترتيبها وتنسيقها والاستفادة من إمكاناتها أقصى استفادة.

فزرع سهولها وهضابها بالقمح والذرة والشوفان والبطاطا، وبمختلف أنواع الخضراوات مع بعض الفواكه؛ كالتفاح والبرقوق والكمثرى والكرز والتوت البري والكروم وبالذات العنب الأخضر.

واستفاد من الغابات بقطع الأخشاب، ولكن ليس بشكل عشوائي ليهدرها، بل نظم تلك العملية بحيث أنه في مقابل كل شجرة تقطع تزرع بدلاً منها اثنتان، ثم يوضع بعض جذوعها كعوارض لكي لا تنجرف التربة.

أما على الأماكن التي تنمو فيها الأعشاب فقط لكون أرضها صخرية، فقد تركها مراعي لأبقاره وأغنامه. وترك قمم الجبال للتزحلق على الجليد، مع محاولات جادة لمنع انجراف التربة ببناء العوارض والسواتر الخشبية والحجرية. ولنتخيل كم قمة توجد في هذه الدولة التي تشكل الجبال معظم مساحتها!!

ولم تترك البيئة لتدمرها حركة البناء التي تخضع لشروط صعبة، وخاصة في الأراضي الزراعية وعلى سفوح الجبال، أو شق الطرقات والسكك الحديدية.

رغم أن المدن والبلدات والقرى (ببناياتها وبيوتها ومصانعها ومعاملها) متناثرة في مختلف أنحاء سويسرا، ورغم أن الطرق والسكك الحديدية ممتدة في كل أرجائها، فقد استطاعت أن تحافظ على نظافة ونقاء جوها وجمال مدنها وقراها.

وفي واقع الأمر فإن سويسرا، رغم صغر مساحتها (أكثر قليلاً من 41 ألف كم مربع)، فإنها تمتلك شبكة من الطرق تمتد مسافة 71384 كيلومتراً، و4888 كيلومتراً من السكك الحديدية.

وقد صعدت بنفسي على قمم الجبال المطلة على مدينة جنيف ولوزيرن وزيوريخ ودافوس ولوغانو، فلم أر في أسفلها إلا مناظر خلابة لمدن نقية الهواء، لا أثر فيها لتلك السحب من «الدخان الأسود» التي نراها فوق الكثير من المدن الكبيرة.

إن عناية الفرد السويسري بالمحافظة على جمال بيئته ونظافتها لا حدود لها، وربما أمر لا يمكن تخيله وتصديقه من دون أن تراه الأعين. فمثلاً لا تترك الأعشاب تنمو حول البحيرات، وحتى على سفوح الجبال (وتخيل عددها ومساحة مسطحاتها)، دون قص وتقليم.

وتحاط البحيرات الكبيرة بممشى لمحبي الرياضة، فيه كل الخدمات المطلوبة، كالحمامات العمومية النظيفة، وتكون هذه البحيرات مسورة بحائط يرتفع قليلاً فوق مستوى سطح الماء.

بل إنني لم أر «ترعة» (وقد رأيت الكثير منها بأحجام مختلفة) إلا وقد أحيطت بسور من الصخور الصلبة، ورصفت أرضيتها بالصخور الصم والبحص الكبير، حفاظاً على تربتها من الانجراف، فضلاً عن إعطائها شكلاً جمالياً.

ولا شك أن اهتمام السويسريين بالحفاظ على نظافة بيئتهم، قد آتى أكله بخير وفير فاء عليهم، فبلادهم مقصد لملايين السياح، ناهيك عن الكثير من أثرياء العالم الذين يمتلكون مساكن خاصة فيها.

وكان لها أيضاً تأثير في صحة الفرد وعافيته ومتوسط عمره المديد الذي يناهز الثمانين عاماً، والذي هو من أعلى المعدلات العالمية.أما العبر الأخرى والدروس التي يخرج بها العربي من زيارته لسويسرا، فنتركها لوقفة أخرى..

كاتب وأكاديمي كويتي

alyusefi@hotmail.com