أنْ نحتفيَ كلّ عام بيوم الوطن احتفاءً حقيقيّاً يتجاوزُ الفعل الإعلاميَّ إلى الإسهام الشعبي الواسع في فعاليات هذا الاحتفاء، فإن احتفاءنا ليس فعلا مظهرياً خالياً من المعاني، وليس نوعاً من البحث عن الكينونة المتحقّقة تاريخيّا وحضاريّاً في هذا الوطن على امتداده من الماء إلى الماء، وإنّما يأتي احتفاؤنا إدراكاً للمعنى الرمزي المهم الذي يوحي به هذا اليوم الذي يستدعي أمرين:

أحدهما: مرحلة التوحيد، وما تحويه – تاريخيا - من دلالات تجعلُ الوحدة الوطنيّة الفريدة خياراً جمعيّاً واحدا لا يمكن التنازل عنه؛ إذ لم يكن توحيد البلاد أمراً هيّنا، وإنما كان فعلاً خارقاً بكل ما تدل عليه هذه اللفظة.

وثانيهما: ما آل إليه الأمر في ظل هذه الوحدة الوطنيّة؛ حيث باتت بلادنا - ذات العمق التاريخي، والثقافات المتنوعة، والأطراف المتباعدة والمتباينة جغرافيّاً- تمثّل ثقلاً سياسيّاً على المستويين الإقليمي والدولي، فضلا عن كونها قوة اقتصادية كبرى، وهاتان سمتان لا تكونان إلا لدولةٍ ذات مقوّمات تمنحها القدرة على التأثير.

وتجعلُ العالم ينظر إليها بوصفها قوة تستطيع تكريس منهجها ورعاية مصالحها بما تمتلكه من عوامل القوة والتأثير وأسباب السيادة، تلك العوامل التي تتوافر للمملكة العربيّة السعوديّة بوصفها كتلةً واحدة تستمدّ قوّتَها من إيمان قيادتها ومواطنيها بأنّها إنّما باتت كذلك نتيجة وحدتها، ولن تكون على هذه الصفة إلا من خلال التمسّك بهذه الوحدة، وتعزيز أسبابها.

وحين نحتفي بالوطن في يوم الوطن، فإننا لا نقول: إنّنا نحب وطننا، ونؤمن إيماناً كاملاً بدولة المؤسسات التي تظلنا وحسب، بل وندرك الإيجابيّات الكبيرة في وحدتنا، ونعلم أنّها الخيار الأوحد، وندْفع عنها لأنّها مكوّننا في اتجاهاتنا العلميّة والثقافيّة الجديدة.

ونريدُ أن يبقى الوطن أنموذجاً للجمال والحبّ والحرّيّة والتسامح والتعددية والاختلاف المبني على المعطيات التاريخيّة والمكانيّة والحضاريّة التي تميّز كلّ جزءٍ من هذا الوطن.