مرشحة باسم الحزب، ولكن الحزب يتجاهلها ويقف ضدها، فتتهم مسؤوليه بأنهم «كسالى فكريا ومتوحشون سياسيا». والمرشحة نفسها، التي يصفها واحد من أهم رموز الحزب في برنامج تليفزيوني بأنها صاحبة «أفكار وآراء مجنونة»، تفوز باكتساح. ولكن ما إن تعلن النتيجة حتى تصدر عن الحزب على أعلى المستويات، تصريحات تثنى على تلك المرشحة نفسها، ويرسل الحزب لحملتها الانتخابية فورا 42 ألف دولار!

عزيزى القارئ، ما تقدم ليس من باب التخاريف، وإنما حدث بالفعل! كيف يمكن أن يكون هناك مرشح باسم حزب من الأحزاب ثم يقف ضده الحزب؟ ثم ما معنى أن يشن رموز الحزب هجوما على مرشح باسم حزبهم؟ وما مغزى أن يغدق الحزب المال على المرشح بعد فوزه؟ ألا يحتاج ذلك المرشح للأموال أثناء الحملة، وليس بعدها؟

كل تلك الأسئلة مشروعة، والإجابة عندي أن ذلك الذي (حدث بالفعل)، لا يمكن أن يحدث إلا في أميركا. فطبيعة النظام الحزبي والانتخابي الأميركي، هي المسؤولة عن كل تلك المفارقات، بل وأكثر منها.

ففي أميركا وحدها، يمكن لأي شخص أن يرشح نفسه عن الحزب الذي يختاره، دون حتى استشارة ذلك الحزب، ثم يخوض المعركة للحصول على ترشيح الحزب بمفرده، دون أي تأييد من ذلك الحزب. وهو التأييد الذي يأتي بعد فوز المرشح لا قبله! وكل هذا لا يعني على الإطلاق أنه لا يوجد دور للأحزاب السياسية، إذ يمكن القول إن الولايات المتحدة الأميركية فيها حزبيون بلا أحزاب، بمعنى أن المعارك الشرسة بين رموز الحزبين، دائرة طوال الوقت ولا يمكن إنكارها، وهي التي تصل بالبلاد إلى حالة استقطاب حاد كما هو الحادث حاليا، دون أن يعني ذلك أن الأحزاب نفسها قوية بالمعنى التنظيمي أو الأيديولوجي.

ففي الدول الأوروبية، عادة ما يكون الراغب في الترشيح من كوادر الحزب، أو على الأقل ينجح في إقناع زعاماته بترشيحه، ثم يخوض المعركة الانتخابية بأموال الحزب ومساعدة هياكله وأجهزته. وبعد الفوز يتوقع الحزب منه أن يعمل في تعاون وثيق مع باقي رموزه المنتخبين، فيدلي بصوته في البرلمان مثلا لصالح قضايا الحزب وأولوياته، ويؤدي دوره كجزء من كتلة متماسكة هي باقي أعضاء الحزب.

كل هذا غير صحيح بالمرة في الحالة الأميركية. فكما سبق القول، فإن لأي مواطن ـ متى توفرت فيه الشروط المنصوص عليها دستوريا ـ أن يرشح نفسه رافعا شعار أحد الحزبين، دون استشارة الحزب بالضرورة، ثم يخوض المعركة بأموال يجمعها بنفسه، وبشكل مستقل عن الحزب، ثم يتوقف حصوله على ترشيح الحزب على نسبة أصوات الناخبين التي يحصل عليها، أي دون أن يعني ذلك مساندة تنظيمية من الحزب. وهذا هو ما يطلق عليه الانتخابات التمهيدية، أي التي يتحدد بموجبها مرشح الحزب الذي سيواجه الحزب المنافس.

بعبارة أخرى؛ فإن المرشح الذي يخوض المعركة لاحقا ضد الحزب المنافس، إنما يفوز بالترشيح دون أن يعني ذلك أي تأييد من الحزب. لذلك، فإنه حين يفوز المرشح بالمنصب، لا يوجد ما يلزمه بمواقف حزبه. ومن ثم، فمن الطبيعي تماما أن تجد عضوا في الكونغرس يصوت بانتظام ضد الأغلبية في حزبه، ومع ذلك يعود لدائرته الانتخابية ليعيد ترشيح نفسه لفترة تالية، باسم نفس الحزب ويفوز من جديد.

مناسبة كل ذلك هي الجدل الدائر حاليا في أميركا، والذي تغطيه وسائل الإعلام حول العالم بكثافة. فخلال الأسبوع الماضي، كان الشغل الشاغل للإعلام في أميركا وخارجها، هو التعليق على نتائج الانتخابات التمهيدية في عدة ولايات، إذ بدا فيها واضحا أن هناك معركة داخل الحزب الجمهوري. فقد استطاع عدد من المرشحين «الجمهوريين»، بدعم من حركة حفل الشاي اليمينية، هزيمة «جمهوريين» آخرين أقل يمينية يدعمهم الحزب نفسه.

وقد أدى ذلك إلى سريان موجة من القلق داخل الحزب الجمهوري نفسه، وتكهنات في الإعلام تتوقع أن يعجز الجمهوريون ـ بمثل تلك الوجوه المتطرفة في يمينيتها ـ عن هزيمة الديمقراطيين في نوفمبر وانتزاع أغلبية مقاعد الكونغرس. وكانت واحدة من تلك الوجوه هي مرشحة مغمورة تقريبا، تدعى كريستين أودونل، نافست عضو مجلس النواب المخضرم مايكل كاسل، على ترشيح الحزب الجمهوري لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية «ديلاوير».

وقد وقف الحزب الجمهوري بكل قوته وراء مايكل كاسل، ورفض دعم أو تمويل حملة أودونل. فالحزب اعتبر أودونل متطرفة إلى حد يستحيل معه أن تستطيع أن تفوز بالمقعد ضد منافسها الديمقراطي، إذا ما فازت بترشيح الحزب. بل شن كارل روف، الذي عمل مستشارا سياسيا لبوش الابن، هجوما عنيفا على أودونل، كما سبقت الإشارة في المقدمة. لكن مرشحة حركة حفل الشاي صاحبة المواقف الممعنة في يمينيتها، حققت نصرا كاسحا فصارت مرشحة الحزب رسميا. لذلك لم يكن أمام الحزب إلا دعمها، فأعلن عن بدء ضخ التمويل لحملتها ضد المرشح الديمقراطي في الخريف.

في أميركا وحدها، يمكن أن تحدث كل تلك المفارقات. لكن في أميركا أيضا، بسبب طبيعة نظامها الحزبي، يمكن لحركة يمينية مثل حركة حفل الشاي، أن تهدد بالسيطرة على مقدرات حزب رئيسي هو الحزب الجمهوري، على نحو ينذر بدفع البلاد مزيدا نحو التطرف اليميني. وفي أميركا أيضا، بسبب طبيعة نظامها الانتخابي، يمكن لمرشحة مثل كريستين أودونل، كذبت بشأن شهادتها الجامعية ووضعها المالي، أن تفوز باكتساح!