ربما يحمل كلامنا اليوم حظاً وافياً من الحساسية بقدر ما يحمل من الأهمية والخطورة، وذلك أنه لا يتصل بغذاء أو بمستوى معيشي، ولا يتصل بمنجز حضاري قلّ أثره أو كبر، ولا بمفرزات الرفاهية التي يرفل فيها المواطن الخليجي، ولا بدرجات التقدم الإنساني التي تفخر بها دول الخليج العربي، ولا غير ذلك من صور حياتية راقية.. ولكنّ خطورة الموضوع تنبع من قضية تنظم جميع هذه المفردات، وتتمحور حولها جميع المكتسبات، وتبقى ببقائها أو تزول بزوالها شتى المنجزات الحضارية والإنسانية؛ إنها قضية الأمن القومي لدول الخليج العربي.

فلا يخفى على متتبع أخبار أجهزة الإعلام الخليجية والعربية، ما استجد من أوضاع دخيلة على مجتمعات الخليج العربي، من أنها أصبحت حالياً على خارطة الأزمات والانقسامات الداخلية المذهبية الأيديولوجية، حيث تعتري بعضها بين الفينة والأخرى استهدافات دخيلة تتربص بأمنها، تسعى وسعت إلى زعزعة استقرارها بأدوات وطنية وأجندات خارجية، وللأسف حملت معاول الهدم لأسس تلك المجتمعات، أيادٍ من داخلها أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها جاهلة، هذا إذا لم نقل إنها مأجورة رخيصة!

ولعل ذهن القارئ قد انقدحت فيه أمثلة لما نرمي إليه، وما تعرضت له قبل فترة قريبة دول خليجية سابقت الزمن برقي نظمها السياسية والاجتماعية المتطورة، وجسدت ثقافة حرية الرأي والحقوق الإنسانية، ويعيش أبناؤها تجارب ديمقراطية بلغت حداً كبيراً من النضج يصلح أن يقدمها كوجه حضاري إنساني عالمي، كدولة الكويت ومملكة البحرين الشقيقتين، اللتين تعرضتا لموجة من الفتن التي طالت أمنهما واستقرارهما، ووقعتا تحت تجارب حاقدة تريد النيل من منجزهما الحضاري، عبر زعزعة أمنهما وإلقاء بذور الفتنة بين أركانهما، ولكن ولله الحمد باءت جميع المحاولات بالفشل، وأثبتتا أنهما حريصتان كل الحرص على ثقافتهما الإنسانية الحضارية من أن تنالها «معاول هادمة»!

وعلى الرغم من ضآلة هذه المحاولات وتلاشي تأثيرها نتيجة حزم الدول الخليجية ووعي أبنائها، إلا أنها تعد ظاهرة خطيرة مرشحة لأن تنخر في كيان المجتمع الخليجي وتقوض فرص الاستقرار فيه، ما لم يتم احتواؤها بإطفاء أصغر شراراتها وتكثيف موجات الوعي الجماهيري، وبث العيون الساهرة على مكتسبات الوطن.

ومما لا شك فيه أن دولة الإمارات، على الرغم من تعدد الثقافات والأيديولوجيات المختلفة التي تتعايش على أرضها، قد أكدت ولا تزال تؤكد دورها المهم والجوهري في الحفاظ على أمن المنطقة، وأنها من خلال سياساتها وقراراتها وخياراتها الاستراتيجية جميعها، الداخلية والخارجية، تشكل عامل استقرار إقليميا أساسيا وركيزة من ركائز الأمن والسلام في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

كما أنها تحرص على أن تكون العلاقات بين دول المنطقة قائمة على التفاهم والحوار، وليس على التهديد أو الصراع أو المواجهة، وهذا جانب جوهري ومحوري في توجهات الدولة منذ قيامها، كما أنها أثبتت على الدوام أنها داعية سلام وحرية رأي وتعايش إنساني عظيم تسعى إليه، مبرهنة في ذلك على أنها بعيدة عن أي سياسات عدائية، وتعمل دائماً على مد يد الحوار وتكريسه سبيلاً إلى حل الخلافات وتسوية الأزمات الدولية.

هذه المنطلقات الإنسانية الراسخة الثابتة، لا تمنع أن تكون الدولة عبر مختلف أجهزتها الأمنية ومختلف مؤسساتها، راعية أمينة على هذا المناخ الحضاري المعطاء، حريصة على صيانة بيئة التواصل الإنساني والحوار الحضاري، كدعائم راسخة للتعايش الآمن المستقر داخل مجتمعها المزدهر، ومنطلقة في طريق بناء علاقات دولية متوازنة، تنهض على مبادئ الصداقة والاحترام المتبادل، على صعيد سياستها الخارجية والداخلية.

فهي ثوابت أصيلة لا تعرف المواربة وتقلبات الزمن، راسخة لا تفتح المجال للمحاباة وموارد الفتن، منطلقة لا تحدها أجندات تدغدغ مشاعر البعض وتعدهم بأفضل مما هم فيه، مترفعة عن المكتسبات الفئوية، صيانة للاستقرار والأمن القومي.