تتسم المعارضة السودانية بكثير من المثالب والعيوب التي تقعد بالشخصية السودانية، وكأنها بذلك تريد أن تؤكد أصالتها وعدم تخليها عن «عاداتنا وتقاليدنا». فهي لا تصغي أبدا لصوت النقد والنصح، رغم أن المثل السوداني ـ كما ورد عند بابكر بدري ـ يقول: «اسمع كلام مبكينك ولا تسمع كلام مضحكينك»، والذي يشرحه: «اسمع نصيحة من يدلك على الرشاد ولو أحرجك كلامه حتى أبكاك، ولا تقبل نصح من يوافقك على اتباع شهواتك ولو سرك قوله حتى تضحك في الحال».
فكثيرا ما أستغرب من حساسية عناصر المعارضة وغضبهم من النقد، وهم من نخبة البلد وأذكى أبنائه. وأتساءل كيف صاحبهم هذا السلوك الطفولي، رغم نضجهم المفترض بحكم السن والتجربة! فالغضب من النقد يبين نوعا من التثبت في مرحلة عمرية سابقة. وينطبق هذا على عملية النقد الذاتي، فهي لا تمتلك الشجاعة بالاعتراف بأخطائها، ولا تسمح للآخرين بأن ينبهوها على عيوبها.
وهذه مصيبة حقيقية تقع على العمل السياسي في السودان. وكأن المعارضة استكانت للذة الجهل وعدم التعلم من التاريخ، ولذلك ترفض رفضا مطلقا الإقرار بالأخطاء، ثم معرفة لماذا حدثت والعمل على عدم تكرارها، بل هي في كل مرة تبدأ من بداية البداية، والويل لمن يطالبها بالاعتراف والتعلم!
وهناك ما يسمى علم اجتماع الفشل أو الإخفاق، وهذا يعني أنه عندما يتكرر الفشل أو الإخفاق لدى جماعة معينة، فعليها أن تبحث عن الأسباب الموضوعية والحقيقية، وليست المتوهمة، وأن تبتعد عن البحث عن كبش فداء وتكون لديها الشجاعة لتحمل المسؤولية. ويمارس البعض حذلقة جديدة حين يتعللون بعدم جلد الذات!
تتحرك المعارضة السودانية ضمن الظروف الحالية وفي إطار المسموح به وبكياسة شديدة، خشية أن تتهم باستغلال حرج موقف النظام قبيل الاستفتاء، وحاجته الواضحة لدعم المعارضة أو لمن يتحمل معه مسؤولية الانفصال لو حدث. وبدأ التحرك في الداخل والخارج، ولست متأكدا إذا كان هناك تنسيق بين المجموعتين أم لا. ففي أغسطس الماضي بدأت مجموعة من الأحزاب، وهي تقريبا نفس مجموعة تجمع أحزاب جوبا باستثناء الحركة الشعبية، في عقد لقاءات متواصلة، انتهت بإعلان المعارضة أنها ترتب لعقد المؤتمر الشامل.
وكانت قوى المعارضة أعلنت من قبل في تصريحات صحافية، أن التحضير للمؤتمر الشامل يسير عبر محورين؛ أولهما إجرائي، والآخر خاص بالإعداد للأجندة والقضايا التي سوف تناقش في المؤتمر. وجاء في التصريح أن اللجنة العليا عاودت الاتصال بحزب المؤتمر الوطني، لدعوته للمشاركة في التحضير للمؤتمر الشامل.
أما في الخارج فقد عقدت اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية المعارضة، اجتماعا يوم 15/ 9/ 2010 قررت فيه العمل على عقد مؤتمر عام بحضور 250 مشتركا، يكون في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر. وناقش الاجتماع الموقف المالي وكيفية تغطية تكاليف المؤتمر، وختم بيان الاجتماع بشعارات: جبهة وطنية قومية حتى النصر/ معا من أجل ثورة لإسقاط النظام.
وقد عادت المعارضة السودانية إلى قديمها، وهو غياب الرؤية الموحدة والاستراتيجية الواضحة ثم الاتفاق على الآليات. وهذا ما حدث أثناء حقبة التجمع سيئة الذكر. فقد كانت الجماهير مرتبكة تماما في مقاومتها للنظام في الداخل، لأنها لم تكن تعلم ما هي خطة التجمع وكيف يريد إسقاط النظام؟ هل عن طريق الانتفاضة الشعبية والإضراب السياسي؟ أم الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح؟ أم بالكفاح المسلح؟ أم عن طريق الانقلاب العسكري؟
وكانت النتيجة توقف العمل تماما وسط الجماهير التي نسيت أن لها قيادات أصلا. وانقطعت الصلة نهائيا بين القيادة والقاعدة، ولم يعد الزعماء السياسيون قادرين على إخراج مظاهرة من 50 شخصا. وقد حاولوا بالفعل ذلك في مظاهرة غلاء الأسعار وفشلوا، بل لم يتحرك الموجودون من مكانهم. ومرت على الشعب السوداني أحداث كثيرة تستحق الاحتجاج والتظاهر، ولكن مع غياب القيادات الملهمة والجريئة، اكتفت الجماهير بتنفيس طاقاتها في دور الرياضة ومنافسات كرة القدم والحفلات الغنائية، وتركت زعماءها للحكي والمناظرات والمؤتمرات وتوقيع المواثيق العديدة..
كتبت قبل أيام في جريدة «الصحافة» السودانية، أدعو المعارضة السودانية لأن تدعو لمؤتمر يسبق المؤتمر الشامل والمؤتمر العام للجبهة الوطنية العريضة، لمناقشة موضوع واحد وهو: لماذا فشلنا؟ إذ لا يمكن القفز على كل هذه السنوات، دون محاسبة وتقييم وتقويم واستخلاص دروس وعبر واعتراف بالقصور والخطأ. لقد ظلت المعارضة تسيء التقدير دوما، فقد كان التقصير واضحا في كشف انقلاب الجبهة في مهده، وعندما نجح كانوا يشبهونه ب«لوح الثلج سيذوب عندما ينتصف النهار»!
واستمرت أحلام السقوط دون أن يعمل لها. وهناك من يقول إن كل نظام معارضته تشبهه، لذلك لا تعمل بجدية على إسقاطه فهما مكملان لبعضهما. وهناك من يقول: «كما تكونوا يولى عليكم». وقد أظهرت عملية الانتخابات السابقة في إبريل، أن هناك علاقة فرويدية أصبحت تحكم سلوك الحاكم والمحكوم في السودان: علاقة حب/ كراهية في وقت واحد، خاصة وقد تعود الناس على النظام، أو كما أوردت في مقال «السودانيون ومرض استكهولم». ومن أهم مهام المعارضة في المرحلة الحالية، تعديل طبيعة هذه العلاقة الشاذة بين الحكام والمحكومين.
والسؤال بعد أن تنقد المعارضة نفسها وتحدد أسباب فشلها، هو: ما هي مهام المعارضة في المرحلة الحالية؟ بالتأكيد تغيرت المهام كثيرا والأولوية الآن: كيف يمكن أن يتفق السودانيون جميعا حول تجنب تقسيم السودان؟ لم يعد الوقت يسمح بتوسيع اتفاقية نيفاشا وجعلها قومية، كما كانت تطالب المعارضة في السابق. ولكن من الممكن الدخول في عملية لتعديل الدستور، بحيث يعطى الجنوبيون ضمانات وحقوقا أوسع، خاصة وأننا ما زلنا في ظل الدستور المؤقت ونصوص اتفاقية نيفاشا.
وفي هذا المنعطف يرتفع صوت يؤكد: لا تنازل عن الشريعة! وتعود معركة «الشريعة» مجددا. وهذه قضية لم يكن هناك اتفاق حول تفاصيلها، فالحزبان الكبيران لم يشاركا في وضع هذه القوانين، رغم أنهما مؤيدان للدستور الإسلامي. وللزعيمين الكبيرين تحفظات على القوانين السائدة، ولكن لم يسمع لهما. وهذا يعني أن الحزبين كمعارضة، مطالبان باجتهاد ديني عصري، يمنع أن تكون هذه القوانين عقبة في سبيل الوحدة بين الشمال والجنوب. وهذه هي المساهمة الجديدة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها بعض أحزاب المعارضة «الدينية» وتغفر لها كثيرا من سلبياتها السابقة.
هذه مواقف أكثر فائدة وعملية للوطن، من الأوراق والتوصيات التي يخرج بها المؤتمران.
