الكثيرون في عالمنا العربي، لا يحبون التاريخ، ويقولون إن استحضاره هو رحيل في الماضي، ومن الخير لنا ان نهتم بالمستقبل، باعتبار أن ما مضى قد فات، أما الآتي فبمقدورنا ان نتطلع، على الأقل، إلى إمكانية صياغته وتشكيله والتأثير فيه.
على السطح، قد يبدو هذا الكلام معقولاً، ولكن في جوهر الأمر ان من لا ماضي له، غالباً ما يقف على أرضية مهزوزة من الحاضر، ويتشح المستقبل أمامه بغير قليل من الغموض. لهذا، بالضبط، فإنني كثيراً ما أقف بالتأمل والتفكير أمام مشهد يعود إلى أغسطس عام 1099، ومع ذلك فإنه يظل حتى اليوم يتحدى النسيان.
هذا المشهد يدور في ديوان الخليفة المستظهر بالله، حيث يتقدم في الديوان الفسيح رجل موغل في العمر، هو قاضي دمشق أبو سعد الهروي، وقد بدا جليلاً، مهيباً، حليق الرأس، مشعث اللحية، وانطلق صائحاً، ووراءه حشد رهيب من الناس يؤمنون على كل كلمة يقولها.
كان القاضي يبلغ الخليفة نبأ المذبحة التي أوقعها الصليبيون بأهل بيت المقدس، عندما استولوا عليها في 15 يوليو 1099، بعد حصار دام أربعين يوماً، حيث أعملوا السيف في رقاب أهلها جميعاً، في مذبحة استمرت يومين، ولم يفلت منهم إلا القليل ممن مضوا مع الهروي، ووقفوا صارخين في قلب الديوان.
يقول ابن الأثير، ملخصاً المشهد، في الجزء الثامن من كتابه «الكامل في التاريخ» بإيجاز مذهل: «وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد، صحبة القاضي أبي سعد الهروي، فأوردوا في الديوان كلاماً أبكى العيون، وأوجع القلوب».لكن هذا الجمع الصائح، وعلى رأسهم الهروي، لم يكن يريد دمعاً، حيث كان يجب ان يجد سيفاً،.
واقع الأمر ان المستظهر طيب خاطر الجمع الصائح، وعبر عن أعمق آيات التعاطف معهم، وأبلغهم عطفه عليهم، وبادر إلى تكليف ستة من أصحاب المناصب الرفيعة في البلاد بالتحقيق في تلك الأحداث المفجعة.
ومن الواضح ان المستظهر بالله كان يعرف، مسبقاً، أن «لجنة الحكماء» العتيدة التي شكلا لن تسفر عن شيء، ولن تقدم لا للقدس ولا لأبنائها ولا لأي مكان في دار الإسلام شيئاً يذكر، والواقع أن التاريخ لن يذكر حرفاً عنها بخلاف قرار تشكيلها.
حقاً ما أشبه الليلة بالبارحة!
هذه الصفحة من كتاب الحروب الصليبية الدموي تحدثنا بأنه سيمضي نصف قرن من الزمان على تشكيل اللجنة العتيدة، قبل ان يسل سيف الإسلام في مواجهة الطاغوت الصليبي. هذه الصفحة نفسها تأمل أن تلهم المفاوضين الفلسطينيين في محادثات السلام المباشرة ألا يوقعوا على ما يسدون به الطريق على سيوف عربية للنضال لاتزال بظهر الغيب.
نأمل أن تلهمهم ألا يهرولوا إلى التوقيع على تنازلات عن حقوق، هي ملك الأجيال الفلسطينية، وليست ملك أحد يمكن ان يتحدث عن تبادلات في الأراضي والمياه وتنازلات عن الحقوق. نأمل ان تلهمهم أن يدركوا ان مصير الشعوب والأمم ملك لها، وليس ملكاً لمن يرون في أفق التاريخ سنوات بروزهم، وهي بلا وجود تقريباً في عمر الشعوب.أما من لا يلهمهم التاريخ شيئاً، فإن عليهم ان يتذكروا ما حدثنا به ابن الأثير عن مصير من فرطوا في أمانات أوطانهم وأممهم.