الحروب بين البشر نوعان؛ مادية، ورمزية. والمادية تقع على الأجساد والممتلكات، أما الرمزية فإنها تستهدف المعتقدات والمقدسات.. وغالباً ما تغذي الثانية الأولى وتسوّغها أو تعمل على تجميلها، كما هو شأن الحروب الدينية بشعاراتها القديمة، والحروب الأيديولوجية بشعاراتها الحديثة.
وهكذا فالحرب الرمزية تطال، بالاعتداء، ما تتعلق به الجماعات من المثل والقيم والمبادئ التي تتجسد، في النهاية، على شكل كتب أو صور أو أوراق أو أمكنة.. مثل حرق الأعلام وصور الرؤساء، أو الاعتداء على الأضرحة ودور العبادة، وصولاً إلى حرق الكتب والنصوص المقدسة.
وفي هذا الإطار يندرج التهديد بحرق المصاحف في نيويورك، من جانب تيري جونز الذي يعتقد أنه بذلك ينتهك أو يُدنّس ما يمثل لدى المسلمين الرمز والعنوان، وما به يتميزون عن غيرهم من الديانات والجماعات.
ولا شك أن هذا العمل يصب في مصلحة مقولة هانتنغتون حول «صدام الثقافات» (ولا أقول الحضارات). إنه فصل من فصول الصراع الذي اندلع على أرض الولايات المتحدة بعد تفجيرات سبتمبر 2001، والذي يبلغ مع حرق المصاحف ذروته على المستوى الرمزي.
بالطبع تقف وراء الحروب الرمزية أهواء ونزوات ومصالح، تماماً كما أن الحروب المادية على المكاسب والمواقع أو على الثروات والسلطات، لا تخلو من مضامين رمزية أو عقائدية.
والحروب الدينية، ذات الشُحنات الرمزية، أكثر عنفاً وشراسة ووحشية من الحروب التي تحركها الدوافع والمصالح المادية، أو حتى العداوات القبلية، كما شهدت مجرياتها في المجتمعات البدائية أو في المجتمع العربي الجاهلي قبل الاسلام.
فعند من نسميهم «أهل الجاهلية» لا معنى لأن يقتل الواحد غيره لأنه يختلف معه في المعتقد. قد يتنازع معه على سلطة أو ثروة، على نفوذ أو على أرض أو كلأ أو ماء، وسواها من المتاع والحُطام، على ما كانت تجري الصراعات بين القبائل أو داخل القبيلة الواحدة.
وأعتقد أن معاوية الذي كان يتصرف كسياسي محترف، لا كنموذج عقائدي، كان أقرب إلى العقل الجاهلي عندما خاطب أهل البصرة بصراحة قائلاً لهم: إني لا أقاتلكم لأنكم لا تصومون ولا تصلون، بل لأتأمّر عليكم.
من هنا كان أهل الجاهلية مقتصدين في ممارسة العنف، قياساً على الحروب بين المسلمين أو بين أهل الديانات التوحيدية بصفة عامة. ومع أن هذه الديانات تنبع من أصل واحد، إلا أن العلاقة، في ما بينها، كانت علاقة استبعاد وإقصاء، لاسيما على المستوى العقائدي والرمزي.
وأما الكلام عن التسامح أو التعارف، فقد بقي قشرة على السطح، أو غطاء لكل ما حفل به تاريخ الأديان والطوائف من المجازر والفظائع.
وهكذا فما أتقنته الديانات التوحيدية، من حيث علاقتها في ما بينها، هو ممارسة العنف الرمزي المتبادل. وفي حال النزاع والصدام، تتحول الحروب الرمزية إلى حروب تُنتج الهلاك والدمار، بإزهاق الأرواح وتخريب العمران.
ولا غرابة، فعلّة نشوء كلّ ديانةٍ هو نسخ ما سبقها، وإن ظنّت أنها تأتي لتكمّلها. بهذا المعنى، فإن العنف الذي يمارسه أتباع الديانات ليس أمراً عارضاً، ولا هو مجرّد سوء تفاهم، وإنما هو كامن في أساس المعتقد وفي مبنى الهويّة.
وهذه هي مفاعيل المنطق الأصولي الاصطفائي، الذي يوهِم صاحبه بأنه الأحق والأصدق والأشرف والأفضل: المماهاة أو الحرب. أن تفكر مثلي وتكون على شاكلتي، وإلا ألجأ إلى إلغائك الرمزي أو استئصالك الجسدي.
وهذا المنطق، منطق الإقصاء، قد حكم العلاقة، داخل كل ديانة بين طوائفها، أو داخل كل طائفة بين أحزابها، لأن مآل التطرف أن يرتد ضد أهله. هذا ما يشهد عليه تاريخ المذابح الدينية في أوروبا، وهذا ما يشهد به أيضاً تاريخ الصراعات في الإسلام الذي انقسم إلى فرق لكل منها هويتها التي تبنى على احتكار المشروعية، باستبعاد الآخر وجحد رموزه أو تخطئة عقائده ورفض اجتهاداته.
والحصيلة هي تشكيل ذاكرة موتورة مشحونة بالكره والبغض والعداء. هذه الذاكرة هي التي تنفجر، اليوم، تعصباً وعنفاً مادياً ورمزياً، بعد تراجع الدول وانهيار شعارات الحداثة ومؤسساتها.
ومن المفارقات أنه، فيما كانت تُحرق مصاحف في نيويورك، كانت عناصر من تنظيم إسلامي أصولي تنحر شيخاً عراقياً، هو أمام مسجد، وتحرق جثته أمام الملأ. ولكن عمل الحرق للمصاحف لا يدّل إلا على تعصّب الفاعل وسخف عقله، والأسخف منه بالطبع هم الذين هددوا بعمل مماثل، أي بحرق أناجيل.
لأن القرآن، كنص له وقائعيته، شأنه شأن بقية الكتب الدينية، باقٍ ولو تراجعت أو انهارت المؤسسات والسلطات الدينية.
وهكذا ثمّة احتجاج على الحرق الرمزي هناك، فيما يُمارس هنا العنف بصورة مضاعفة بالقتل الرمزي والحرق الجسدي، ولكن مع الفارق بين الحالتين. في أميركا قوى وشخصيات ومؤسسات وقوانين تمارس الاحتجاج والضغط والمحاسبة، الأمر الذي أجبر القس البروتستانتي على تراجعه وتعهده بأنه لن يعود إلى محاولة ارتكاب حرق نسخ من القرآن.
عندنا يحصل العكس، إذ يُكال المديح لمن يمارس مهنة القتل بوصفها بطولة، من جانب الذين يعتبرون المذابح والحرائق مقاومة. وهذا ما يحدث منذ أعلنت المنظمات الأصولية حربها، بذريعة مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق. فما ولّدته، بفعل الصدام العقائدي والعرقي الجاري في العالم الإسلامي، هو كل هذه الحرائق والخرائب.
وكل ذلك لا يثير الاحتجاج والاستنكار، وإنما يعدّ بمثابة عمل مشروع، بل بطولي تحت مسمى «الجهاد»، فيما الحصيلة هي عشرات، بل مئات الآلاف من القتلى ممن لا ذنب لهم ولا جريرة من المدنيين الأبرياء.
وتلك هي حصيلة العمل بلغة الفتوى الشرعية: حروب استئصال أو تطهير، رمزية ومادية، تحول أصحابها إلى ضحايا أو جلادين، سواء في هذا المعسكر أو ذاك.
خلاصة القول؛ نحن نُسْتَفَزّ ونستنفر طاقاتنا من أجل الدفاع عمّا نعتبره مساساً بالرموز، من نصوص وأوراق وصور وأحجار. ولكننا بحكم عقائدنا ذاتها، لا نمارس سوى الاعتداء الرمزي على المختلف والآخر.. فنحن، في هذا الخصوص، سواء مع من نتهمهم وندينهم.
والأهم من ذلك أننا نقيم الدنيا ونقعدها، إذا تعرضت أوراق وصور وأحجار، للانتهاك والاعتداء، ولا نكترث بما نقوم به من قتل واعتداء، دفاعاً عن الرموز. بذلك ننسى الأصل وما كانت من أجله الرسالات والدعوات والعقائد والشرائع، أعني الحياة التي هي أولى. ولكن الآية باتت معكوسة؛ فمَن قتل نفساً بغير نفس أو حق، أصبح هو المقاومُ أو البطلُ!
كاتب ومفكر لبناني
harb@cyberia.net.lb
