أستطيع أن أرد التشاؤم الذي يغلبني حيال المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، إلى فترة أبعد من تولي بنيامين نتانياهو رئاسة الوزارة الإسرائيلية وحكومته اليمينية.
ف إذا كان من السهل إلقاء المسؤولية على الآخر (العدو)، فإن من الصعب، بل ومن النادر أن تجد من يتحدث عن المسؤولية الذاتية بنفس البلاغة التي يتحدث بها عن مؤامرات الأعداء التي لا تنتهي.
يذهب نتانياهو إلى المفاوضات المباشرة وخلفه حكومة موحدة وشعب موحد، لكن الوضع على العكس تماما بالنسبة لأبومازن. فالرجل يذهب ووراءه شعب منقسم ومنهك ويعيش لحظة ضعف تاريخي غير مسبوقة. رغم هذا، فإن المفاوضات هي الخيار الوحيد في ظل الوضع الراهن، لإبقاء الأهداف الوطنية الفلسطينية على جدول أعمال العالم.
أبعد من هذا، يذهب الإسرائيليون إلى المفاوضات وخياراتهم السياسية والاستراتيجية قوية ومتنوعة، وما من شيء يدفعهم إلى الشعور بضرورة تقديم تضحيات من أي نوع، لا بالنسبة للمستوطنات ولا للحدود ولا القدس ولا اللاجئين..
لا فرق بالنسبة لهم، فيما الفلسطينيون يذهبون للمفاوضات مستندين إلى تلة أخلاقية صنعها نضال شعب ضد الاحتلال. لكن أين هي الأخلاق في الصراع السياسي وفي صراع مثل هذا الذي اكتوت بنيرانه أجيال متعاقبة من شعوب هذه المنطقة؟
لا مكان للأخلاق والعدالة ما لم تكن مدعومة بالقوة، والقوة (بمعناها الأشمل) هي نقطة الضعف التاريخية التي يعاني منها الفلسطينيون اليوم، و إذا كان هذا الصراع المرير قد أثبت شيئا، فهو أن البعد الأخلاقي هو الغائب الأول عن هذا الصراع وكل الحلول والمقاربات التي اجترحت لحله. فالحلول هنا بكل جزئياتها ظلت وستبقى مفصلة على مقاس طرف واحد.
إن اختلال ميزان القوى بين إسرائيل والفلسطينيين، لم يحسب في نظر أي إدارة أميركية باعتباره مقياسا مهما في اقتراح الحلول. والحلول واضحة تماما والمرجعيات واضحة وكلها تستند إلى قرارات دولية، أو ما بقينا نفضل الإشارة له بصيغة تنطوي على تلمس أفضلية أخلاقية: «الشرعية الدولية».
الضعف الفلسطيني مسؤولية فلسطينية في المقام الأول، وعربية في المقام الثاني. ف إذا كان الانقسام الفلسطيني يفصح عن عمى تام للمصلحة الوطنية الفلسطينية، فإن التراخي العربي يكمل حلقات هذا الضعف ويزيد في مفاعيله. الحكمة هنا واضحة ولا تحتاج لعناء: لن تحصل على أي مطلب ما لم تضغط وتقاتل من أجل الحصول عليه.
في العام 1988، عندما أعلن الراحل ياسر عرفات من منبر المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، بيان الاستقلال، كانت تلك لحظة قوة توجت نضالا استمر أكثر من نصف قرن على جميع الأصعدة: ميدانيا على الأرض.
حيث كانت الانتفاضة في ذروتها سياسيا، مع عزلة إسرائيل الدولية والتأييد غير المسبوق للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. كانت «حماس» موجودة في ذلك الحين، وكانت المفاوضات قائمة لانضمامها إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها كانت تتعثر بسبب الخلاف على الحصص.
قارنوا تلك اللحظة بكل ما جرى على الأرض منذ 2005 حتى اليوم! لقد تردى الشعب الفلسطيني منذ ذلك الحين وبإصرار يطيح العقل والمنطق، وبأخطاء متبادلة من كل الأطراف، إلى لحظة ضعف تاريخية غير مسبوقة.
المقارنة ستدفعنا لفهم الوضع الراهن، ويكفي أن نتصور الوضع بشكل معاكس: أن يذهب أبومازن للمفاوضات ووراءه شعب موحد.. هل هذه أمنية أم حلم؟
كلا، بل هذه رؤية سياسية متفق عليها منذ العام 2006 بين الفصائل الفلسطينية جميعها، بما فيها «حماس»، والرؤية واضحة لا تقبل لبسا ولا ترددا: دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين أو تعويضهم.
إنها نفس الأهداف التي توجها النضال الفلسطيني الطويل في برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وفي إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي تلاه عرفات في الجزائر.
و إذا كنا سنضرب رأسنا في الجدار ونحن نتساءل عن السبب الذي جعل الفلسطينيين يهدرون كل هذه السنوات من 1988 حتى 2006، للاتفاق على هذه الأهداف، فإننا سنضرب رأسنا في الجدار ألف مرة أيضاً ونحن نتساءل عن الأسباب التي تحول دون تنفيذ هذه الرؤية منذ 2006 وحتى اليوم!
عدا المستوطنات ويهودية إسرائيل التي يصر عليها نتانياهو، واللاجئين والمياه وصيغة تقاسم القدس بين عاصمتين، فإن قدرة الفلسطينيين على فرض رؤاهم ومطالبهم لا تعتمد على قدرات يملكونها للضغط، بل على اقتناع الولايات المتحدة .
وبالتالي ممارستها للضغط على إسرائيل. الأهم من هذا، أن معظم المطالب الفلسطينية (المشروعة) لها أثمان يرفض نتانياهو وأي زعيم إسرائيلي أن يدفعها.
فعدا خفوت صوت اليسار الإسرائيلي والقوى المطالبة بحل الدولتين، لم يكن الإسرائيليون موحدين حيال المفاوضات وحيال مستقبل إسرائيل أكثر مما هم عليه اليوم. فلحظة اغتيال رابين عام 1995، كان الانقسام في المجتمع الإسرائيلي قد بلغ ذروته، والحال أن الوضع اليوم ليس كما كان في ذلك العام.
ولن تكون المعجزة في أن نأمل يقظة وعي أميركية، تقوم على الفهم الصحيح لما يمثله هذا الصراع المرير على الأمن القومي الأميركي نفسه.
لقد كانت تصريحات الجنرال بترايوس في مارس الماضي، حول تأثير الصراع العربي الإسرائيلي على القوات الأميركية، ومضة لهذا الوعي الذي بقي ملايين من العرب يصلون لكي يلتمع في أذهان الأميركيين. لكن ما من رهان على أن هذا يمكن أن يتبلور في حركة متصاعدة داخل مطابخ السياسة الأميركية.
إذا تحققت العدالة في هذا الصراع المرير، فإن الولايات المتحدة الأميركية لن تكون قد انتصرت في حربها ضد «الإرهاب» الدولي فحسب، بل ولن يعود للتطرف أي معنى، لأن العدالة ستقضي على اليأس.
كاتب وصحافي بحريني
m.alobaidley@gmail.com