الرعاة دوماً هم من يحددون مسار التاريخ، ومصير الجغرافيا. وهم باختلاف ائتلافات قواهم وتلاوين قيمهم ومعتقداتهم، لا بد لهم من إطار يجمع ويركز قوتهم ويفعّلها توجيهاً وتعزيزاً، ولا أنسب من الدولة لهذه المهمة.

ورغم الليالي التي سهرها جان جاك روسو في تعريف وتحليل مفهوم الدولة والعقد الاجتماعي، إلا أن كل الاجتهادات الغربية وما ماثلها وفاقها براعة في الشرق من أمثال ابن رشد، آلت في النهاية إلى مجرد أداة هي الأعتى منذ بدء الخليقة، أداة في يد مجموعة أو فرد، تنفذ سياسات مخططة، ليست بالضرورة انعكاساً لمصالح مجتمعاتها، حتى وإن غضب السيد روسو.

عبر التاريخ شكلت الإمبراطوريات، بما هي امتداد جغرافي وسياسي واقتصادي لحدود الدولة القوية، رعاة لقوى أو جماعات أو حتى فئات وطوائف، تمكن جهابذتها من اختراق مواقع صنع القرار، فسهلت قيادة الفيل حتى وإن بربطه بذيل كلب.

«على فرعون يا هامان»، نرددها دائماَ لتبيان مدى شطارتنا في كشف ألاعيب الآخرين وأحابيلهم، لكن هامان يثير في كتب التاريخ الكثير من الأشجان، بمعزل عن علاقته بفرعون، فهذا الذي كان أهم مستشار وأقوى رجالات بلاط الملك الفارسي أحشوريوش.

هو أول من تنبه لخطر اليهود المنتشرين في أرجاء المملكة ذات الجغرافيا الشاسعة، بعدما سباهم نبوخذنصر وحطم ممالكهم ومدنهم، التي اغتصبوها بالمجازر من الكنعانيين والأدوميين والحثيين وغيرهم.

هنا كتب الملك أمراً بإبادة اليهود، وتم توزيعه على كل أصقاع المملكة الفارسية، طبقاً لرواية العهد القديم، لكن أستيل التي أفلح عمها موردخاي في تزويجها من الملك بعد إخفاء يهوديتها، غامرت بالكشف عن حقيقتها للمك وإقناعه بالتراجع عن قرار الإبادة.

وهو ما تحقق لها، فكان الصلب والإعدام من نصيب هامان وأبنائه والآلاف من عامة الشعب الذين كانوا يتهيأون للانقضاض على اليهود، وحل موردخاي بالطبع مكان هامان.

قبل ذلك، وفي عهد الملك الفارسي كورش، تمكن اليهود المسبيون من إقناعه بضرورة إطلاق سراحهم، بل وتحميلهم ما لا يمكن تصور كميته من أموال وذهب وفضة وأخشاب ومواشي، من أجل مهمة واحدة فقط هي بناء الهيكل اليهودي، أو بحسب المزاعم المدونة في العهد القديم، إعادة بناء الهيكل الذي هدمه نبوخذنصر.

هما حالتان للرعاة العتاة والفئة القليلة المتحكمة، في مسار التاريخ، تفيد بالحقائق أنه لا يمكن فرض ملة غريبة في جغرافيا متجانسة، إلا بتدخل خارجي قوي وساخن، لمحاولة صهرها في نسيج هذه الجغرافيا، ولا فكاك من هذه الملة إلا بنزع الرعاية عنها أولاً، وإيداعها مكشوفة أمام قوى الجغرافيا الأصلية لتواجه مصيرها وبقواها الذاتية.

على المفاوض الفلسطيني ومن ورائه العربي، أن لا يقفز إلى استنتاجات حماسية، لجهة القدرة حالياً على هزيمة إسرائيل، إن في ساحة المعارك أم طاولات المفاوضات.

من دون إحداث تغيير أو ثغرة في موقف الراعي الأميركي تجاه هذه الملة الغريبة عن جسد شرق المتوسط. فالمعادلة واحدة دوماً، منذ كورش إلى باراك أوباما: الضعيف المتحالف مع راع قوي، يفرض شروطه ما لم يرفع عنه الغطاء.

Adonis02@hotmail.com