رغم كل السيئات التي أحاطت بدعوة القس «تيري جونز» لحرق المصاحف في الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنها لم تخلُ من حسنة تمثلت في ظهور العديد من الأصوات العاقلة التي رأت في الدعوة فكرة مجنونة لإشعال فتيل أزمة ليس هذا أوانها ولا مكانها.
لم يحدث هذا على مستوى الجهات الرسمية الأميركية والغربية بوجه عام، والتي كان من الطبيعي أن تقف ضد هذه الدعوة لأنها سوف تسبب لها أضرارا في الداخل والخارج، وتلحق الأذى بسفاراتها ومصالحها وجنودها المنتشرين في أرجاء العالم المختلفة.
وإنما حدث أيضا على مستوى الأفراد والجهات غير الرسمية، الأمر الذي نعتقد أنه أكثر أهمية من معارضة الجهات الرسمية التي لها حساباتها السياسية والاقتصادية والأمنية المعروفة.
واضح أن صاحب الدعوة القس «تيري جونز» كان يسعى إلى الشهرة، لأنه يعلم أن دعوته الشاذة لن تجد قبولا لدى أحد، هذا إذا استثنينا أعضاء كنيسته الخمسين الذين نظن أن بعضهم قد لا يؤيد دعوته.
وواضح أيضا أنه قد حقق هدفه، بدليل أنه تصدر الأخبار في وسائل الإعلام المختلفة، وأن قصته تصدرت القصص المتداولة عبر مواقع الإنترنت، فقد أوجد اقتراحه على سبيل المثال حتى الأسبوع الماضي.
نحو 13 ألف قصة مستقلة على موقع «غوغل نيوز» مقابل 8000 قصة عن أول مؤتمر صحفي يعقده الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ أربعة شهور، ونحو 3000 قصة عن انفجار غازي مميت دمر ضاحية بأكملها في سان فرانسيسكو.
وفق ما جاء في تقرير بثته وكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ) قبل أسبوع، وهو رقم مرشح للزيادة بطبيعة الحال، الأمر الذي يعني أن القس الذي كان مغمورا قد نجح في لفت أنظار العالم إليه وإلى كنيسته غير المعروفة، بمجرد إطلاق هذه الفكرة المجنونة، وبأقل جهد ممكن.
يلفت النظر في هذه المسألة أن وسائل الإعلام التقليدية من صحف وإذاعة وتلفزيون، لم تعد هي الوحيدة المسيطرة على الساحة، بدليل أن «تيري جونز» بدأ توجيه دعوته لحرق المصاحف على موقع «فيس بوك» الإلكتروني.
وكان طبيعيا أن يأخذ المسلمون هذه الدعوة على محمل الجد، لتجد وسائل الإعلام نفسها مضطرة إلى التعامل معها، وترتفع بذلك وتيرة الاهتمام بها لتصل إلى الجهات الرسمية في الولايات المتحدة التي وجدت نفسها في وضع محرج، كان يمكن أن يتطور إلى استنفار أمني عالي التكلفة فيما لو نفذ هذا القس الموتور فكرته.
وهي ردة فعل طبيعية لا يمكن أن نعتبرها مقياسا حقيقيا للموقف، لكن الإدانة الواضحة لهذا العمل من قبل المسؤولين الروحيين الأميركيين، من مسيحيين إنجيليين إلى خامات يهود، بالإضافة إلى العلمانيين وقادة الرأي من مختلف الاتجاهات، جاءت لتؤكد مدى شذوذ هذه الدعوة وصاحبها.
ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى المحاضرة التي ألقتها راهبة العناية الروحية في كنيسة «فيرست كميونيتي» القسيسة «ديبورا ليندسي»، أمام حشد من الأميركيين، لتوضيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، والتي تسببت في ما سمته «موجة خوف من الإسلام» عمت الولايات المتحدة، معربة عن حاجة أميركا الماسة في هذه الأيام إلى جرعة من التواضع الديني.
مؤكدة أن الدعوة لحرق المصاحف ليست مؤشر سلام ولا فعل تفهم ولا إقامة جسور تواصل، بل هي ضرب من الجنون، معتبرةً أن الإيجابية تتمثل في استنكار عدد كبير من الجهات والجمعيات لهذه الدعوة.
قائلة: «لا تركزوا على هذه المجموعة الصغيرة من المتطرفين الذين قاموا بهذا العمل العنيف، بل ركزوا على مئات الملايين من المسلمين المؤمنين حول العالم الذين يعيشون حياة تشبه حياتكم العادية».
في إشارة إلى من قاموا بشن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهي دعوة نتفق معها لأننا نعتقد أن الذين ارتكبوا حماقة الحادي عشر من سبتمبر 2001، لا يقلون جنونا عن «تيري جونز» الذي دعا إلى حماقة الحادي عشر من سبتمبر 2010، وهو يسعى إلى الشهرة على حساب القيم المسيحية التي تتفق مع القيم الإسلامية التي تدعو إلى المحبة والتسامح، وتحترم الكتب السماوية كلها.
كما يلفت النظر أيضا أن ردة فعل الجهات الرسمية العربية والإسلامية على دعوة القس الأميركي الموتور، كانت باهتة جدا، إن لم تكن غائبة تقريبا. وربما كانت لهذا تفسيرات كثيرة؛ أولها أن هذه الجهات عرفت حدودها فوقفت عندها ولم تتعدها.
وثانيها أنها فضلت أن تراقب الموقف عن بعد جريا على عادتها، وآثرت السلامة كي لا تؤخذ عليها أي ردة فعل تصدر عنها. وثالثها أنها اختارت موقف عبد المطلب عندما قال لأبرهة الأشرم يوم أن جاء يهدم الكعبة: «أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه».
قبل خمسة عشر قرنا، وفي عصر يسمى «العصر الجاهلي»، استطاعت امرأة تدعى «البسوس» أن تشعل حربا استمرت أربعين عاما بين أبناء العمومة من قبيلتي بكر وتغلب، بسبب ناقة لها انطلقت ترعى في أرض «كليب»، فقتلها حين علم أنها ناقة «البسوس» خالة «جساس» أخي زوجته الذي كان يغار منه بسبب كثرة تباهي أخته به، فسميت تلك الحرب باسمها.
وفي ذلك العصر أيضا نشبت حرب أخرى دامت أربعين عاما أيضا بين قبيلتي عبس وذبيان، بسبب سباق بين فرسين كان يطلق على إحداهما «داحس» وعلى الأخرى «الغبراء» فسميت الحرب باسم الفرسين.
فهل يكون عصرنا هذا (عصر العلم والتقنية والأقمار الصناعية وارتياد الفضاء) أشد جاهلية من ذلك العصر، بسبب فئةٍ من المتطرفين الذين اختطفوا الدين، ومجموعةٍ من الموتورين الذين أعمى الجهل بصرهم وبصيرتهم؟
ربما كان الشيء الوحيد الذي يستحق الشكر عليه «تيري جونز»، هو أنه قد أتاح لنا أن نستمع إلى أصوات بعض العقلاء، آملين أن تكون هذه الأصوات أعلى من صوت المجانين والموتورين ودعاة إشعال الحرائق من أي نوع في أي بقعة من بقاع الأرض.
كاتب إماراتي
aliobaid4000@yahoo.com
