كان الله في عون الشعب اللبناني وجنبه مغبة مزايدة زعمائه وخلافاتهم التي ليس لها حد، ويبدو أنه لن تكون لها نهاية على المدى القريب، وكأن هذا البلد ابتلي بداء التشظي بين رفقائه، حتى أدمنوا الصراع وبات خبزهم اليومي البحث عن ما يؤدي إلى التوتر الدائم.
يبدو أن هناك عهدا ووعدا اتخذه أصحاب القرار وزعماء الطوائف، بمحاربة الاستقرار ووضع الفتائل لنسف الهدوء، كلما بزغ نهار أمل وسط هذا الركام من الحروب والاغتيالات التي أدمنتها الساحة اللبنانية على مدار الماضيات من السنين، وأرهقت هذا الشعب الذي غلب على أمره.
وكلما خرجت من الأفواه المتعطشة إلى السلم الأهلي حكمة تجمع، بادرت أطراف الهدم إلى حماقة تفرق، وكلما لاحت في الأفق مبادرة خير، أغارت عليها طيور الظلام قبل أن ترى النور!
لبنان جميل وأهله أجمل، وكما يردد ناسه أن قوة هذا البلد في ضعفه، فهو كذلك في رونقه الخاص وتفرده في أكثر من ناحية، لذا هناك من يسعى دائما إلى دق الأسافين في هذا التميز، ويبدو أنها ضريبة مفروضة وأجندة مطلوبة كل حسب هواه ولو كان عاثرا.
ولو كان قاسيا على الأرض والشعب، واليوم والغد، ولو كانت في ذلك عودة إلى لغة الحرب المقيتة التي دفع الجميع كلفتها، وضحاياها لم يتميزوا لا مذهبا ولا انتماء، فالكل مسفوك الدم، سواء كان حزبيا أو طائفيا أو مؤدلجا، وكل العزاء للمقامرين أولئك الذين ينتشون على صراخ الخراب، ويلتقطون الصور التذكارية مع غربان الهدم ويتفاخرون بنياشين أمراء الحرب.
الوهم الكبير أن يتصور أحد ما أنه يستطيع أن يحقق نصرا ما، ولو أعطت اللحظة العابرة شعورا بذلك، من خلال امتلاكه لحفنة من قوة في الميدان أو توفر في ظرف استثنائي لعناصر من الاستقواء الخارجي.
فما ذلك إلا سراب في سراب يحسبه العطشى والموتورون عذوبة انتصار يمكنهم أن يتذوقوا حلاوتها، وما علموا أنهم بذلك إنما يحدثون فتقا في جدار التوافق الوطني الذي تنادوا له قبل بضعة أشهر، وعندما يتسع هذا الرتق مفسحا المجال لطغيان الفتنة، فإن الجميع مشمول بمهلكاته التي لن ترحم أحدا.
أيها اللبنانيون بادروا إلى قراءة تاريخكم، قبل أن يفوت الفوت.
