نهضت السياسة الخارجية للسلطنة على الأسس والمفاهيم التي أرستها نهضة عمان الحديثة منذ أطلق إشارتها الأولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ تلك الأسس والمفاهيم التي تتخذ لنفسها عناوين واضحة لا لبس فيها تأخذ بمنهج التسامح والتفاهم وتعزيز آلية الحوار السلمي لحل كافة المشكلات التي تعترض سبيل الأهداف الإنسانية الكبرى التي تسعى إلى تحقيقها كافة المؤسسات الدولية كي تعيش البشرية في أمن وأمان وتفاهم ضمن منظومة عيش مشترك تحترم حقوق كافة الأطراف ، وتحترم احتياجاتها ومصالحها.
ولأن سياستنا الخارجية أخذت هذا المنهج من التسامح ، لذلك كان التماس بعض التنازل من كافة الأطراف لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى حلول ناجعة للمشكلات المثارة أمرا مهما وقدمت بلادنا المثل والقدوة في ذلك من خلال حل خلافاتها الحدودية مع كافة دول الجوار الشقيقة والصديقة ، مما عزز من أواصر القربى والمودة مع تلك الدول كطليعة لنهج السلطنة مع كافة دول العالم. ومن ثم استفادت سياستنا الخارجية من هذا المنهج الناجح في العمل على التقريب بين الأطراف الدولية المتنازعة حول قضية ما ، إذ يوقن العمانيون أن العالم صار متقاربا إلى حد لا يبرر العزلة عن الأحداث السيارة في مختلف المناطق الملتهبة.
وانطلاقا من النهج الإنساني ، وبالنظر إلى أن مدنيين كثيرين يقعون ضحايا الأزمات وتجاذبات وسوء فهم في علاقات الدول بعضها مع بعض ، فقد بذلت بلادنا جهودا محمودة وناجحة للإفراج عن مواطنة أميركية كانت محتجزة في إيران ، انطلاقا من العلاقات الطيبة وروابط الثقة المبنية عبر السنين السابقة مع كل من جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية .
الأمر الذي لقي صدى طيبا في الأوساط الدولية ، وفي مقدمتها الأميركية ، حيث تدرك الأطراف التي تنهض السلطنة بالوساطة لحل الخلافات بينها أن الجهود المبذولة من جانبنا لا تبغي غرضا ذاتيا أو شهرة إعلامية ، بل تمضي الجهود في صمت وكتمان حتى تتكلل بالنجاح ، ومن ثم تتسلط الأضواء تلقائيا على الجهود الخيرة التي تقوم بها أطراف الوساطة ومن بينها السلطنة.
وسبق أن قدمت الدبلوماسية العمانية نماذج مشرفة من المساهمات في وضع حلول لمشكلات دولية في مجالات أخرى مثل قضايا البيئة وسبل معالجة التحولات المناخية وتوابعها وآثارها على البشر في مختلف بلدان العالم ، واكتسبت أيضا في هذا المجال سمعة عريضة ، انطلقت من تراكمات الخبرة العمانية خلال أربعين عاما من العمل من أجل صالح الإنسان في بلادنا وفي مختلف البلدان ، بصفته محرك الحياة على الأرض وهدف كل مشروع سلام أو برنامج تنمية وتحديث.
بالطبع تظل تفاصيل أي جهد دبلوماسي تقوم به السلطنة في هذه المجالات بعيدة عن الأضواء ، نظرا لحساسية القضايا التي يتم معالجتها فيما يشبه سياسة نزع فتيل عنصر التفجر ، وهو الأمر الذي لا يكون سهلا أبدا ، بل يحتاج دائما الى مرونة وحنكة وتجرد من جانب الوسطاء مع الابتعاد ما أمكن عن الأضواء .
لكن يبقى من وراء ذلك مثل ونموذج ودرس مستفاد ينبغي تعميمه لحل كافة المشكلات المستعصية على الحل حاليا ، والتي تهدد باستمرار عواقب وخيمة ، كقضايا البرامج النووية وقضايا احتلال دول الأراضي دول أخرى ، إلى غير ذلك من قضايا يمكن حلها بالتزام الجوانب الإنسانية فيها كأولوية.
