رغم ضجيج الحركة السياسية التي يعايشها الشارع المصري بحكم اقتراب انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر القادم، وبحكم الحوار المستمر حول انتخابات الرئاسة في العام القادم والصراعات المتصلة سواء داخل الحزب الوطني الحاكم أو خارجه انتظاراً لقرار الرئيس مبارك بهذا الشأن، ومع الكثير من القضايا السياسية والأزمات الداخلية والخارجية التي تنتظر الحسم والتي تلقي بآثارها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي.

مع هذا كله وبالرغم منه تركزت الأضواء على الحكم القضائي الهام الذي صدر في الأسبوع الماضي من أعلى سلطة قضائية والذي قضى ببطلان عقد تخصيص الأراضي التي يقام عليها المشروع الإسكاني المعروف باسم «مدينتي »و الذي تقيمه مجموعة طلعت مصطفى التي كان يرأسها رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى حتى سجنه في قضية مقتل المطربة سوزان تميم، ليترك رئاسة الشركة التي تعتبر واحدة من أكبر الشركات العقارية في مصر لشقيقه.

لكن أهمية الحكم القضائي لا تعود لارتباطها بهشام طلعت مصطفى، ولا تقف فقط عند ضخامة المشروع و تأثيره في سوق العقارات وفي البورصة المصرية، ولا تقف عند قلق الآلاف أو عشرات الآلاف الذين قاموا بحجز وحدات سكنية في المشروع وسددوا جزءاً من الثمن، وإنما الأمر يفوق ذلك كله إلى ما يتعلق بطبيعة المسار الاقتصادي والسياسي للدولة، والصراعات التي تدور حول ذلك داخل النظام و خارجه.

وقبل أي حديث عن ذلك، لابد من الإشارة ـ أولاً ـ إلى أن الحكم القضائي حرص على التأكيد بأن أحداً من المنتفعين بالمشروع لن يضار، سواء تسلم وحدته أو لم يتسلمها، وأن حقوق المتعاقدين ستتم المحافظة عليها. كما أن الحكومة سارعت بالالتزام بأن العمل بالمشروع سيتواصل بشكل طبيعي، وقامت بتشكيل لجنة للتعامل مع الوضع والمحافظة على حقوق المواطنين والتوصل للصيغة المثلى لتسوية الوضع مع تنفيذ الحكم القضائي بحيث تأخذ الدولة حقوقها، وتضمن للمواطنين حقوقهم، وتحافظ على كيان الشركة لتواصل العمل بما تملكه من إمكانيات تمكنها من الوفاء بأي التزامات عليها.

ولا أظن أن هناك مشكلة في ذلك كله، فالشركة ـ بموجب العقد الذي تم إبطاله ـ أخذت أرض المشروع التي بلغت ثمانية آلاف فدان دون أن تدفع شيئاً، والتزمت الدولة بتوصيل المرافق إليها مجاناً، وقبل أن تبني حائطاً واحداً كانت قد جمعت مقدمات حجز لوحدات المشروع بلغت في بضعة أسابيع 22 مليار جنيه ( حوالي4 مليارات دولار) وبالتالي، فلن تكون هناك مشكلة في تسوية الوضع، وإصلاح الخطأ الذي تم، وبالتالي يمضي المشروع في طريقه.

ولكن ما حدث سيترك وبلا شك ـ آثاره الهامة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي ، لأن قضية «مدينتي»ليست إلا ورقة واحدة في ملف كبير تم فتحه وهو ملف أراضي الدولة التي شهدت في السنوات الماضية عملية واسعة من الإثراء غير المشروع نتيجة منح مساحات واسعة منها لفئة من المحظوظين بأسعار رمزية، ليقوموا ببيعها بعد ذلك بأسعارها الحقيقية تنقلهم في شهور إلى خانة المليارديرات.

والأسماء معروفة، وقد استطاعت تأمين نفوذ سياسي بجانب نفوذها المالي، وكانت النتيجة انفجار أكثر من قضية في الشهور الأخيرة تورط فيها وزراء بعقد صفقات بين الدولة و الشركات التي يساهمون فيها أو بتخصيص أراض للأهل والأصدقاء.

وهو الأمر الذي دعا الرئيس مبارك للتدخل بنفسه وإلغاء بعض الصفقات وإصدار تعليماته بان يكون حق الانتفاع (وليس البيع) هو أساس التصرف في أراضي الدولة، وبأن توضع كل هذه الأراضي تحت تصرف جهة واحدة، وبأن تراجع كل التصرفات السابقة التي تم فيها الاستيلاء على أراضي الدولة بالمخالفة للقانون أو بالتحايل عليه.

وكان طبيعيا أن تدرك هذه الفئة التي أصبحت تمثل جناحاً في الحياة السياسية والاقتصادية له نفوذه المالي وله نوابه في البرلمان أن أمامها معركة صعبة للحفاظ على مواقعها، سواء بوضع العراقيل أمام استرداد حق الدولة في الأراضي المنهوبة، أو بمنع تطبيق أحكام الدستور التي تمنع نواب البرلمان والوزراء من عقد أي صفقات تجارية مع مؤسسات الدولة، أو بفتح معركة جديدة استفزت مشاعر المصريين جميعاً حين أرادوا الاستيلاء على الأرض المخصصة منذ سنوات لبناء أول محطة نووية مصرية في منطقة «الضبعة »علي الساحل الشمالي، لكي يستثمروها في مشروعاتهم السياحية حتى وإن كان الثمن تأخير البرنامج النووي لسنوات.

وكما حسم قرار الرئيس مبارك الأمر بشأن موقع «الضبعة »قبل أسابيع لصالح المشروع النووي المصري، يأتي الحكم القضائي بشأن «مدينتي »ليطمئن الرأي العام على أن الضغوط التي مارسها هذا اللوبي لن تمنع القضاء من أن يقول كلمته. ومع فتح هذا الملف أصبح واضحاً أن جناحاً كبيراً و مؤثراً في السلطة أصبح يرى مدى الأضرار التي ألحقها هذا «اللوبي »بالنظام وأنه سيسعى بكل قوته لتقليص نفوذه اقتصادياً وسياسياً.

والمؤكد أن هذا «اللوبي »لن يستسلم بسهولة، وسيقاوم بشراسة، ولعل ما يظهر الآن من صور الصراع داخل الحزب الحاكم يخفي صراعاً أكبر واخطر، وربما تكون انتخابات مجلس الشعب أحد ميادين هذا الصراع الذي سيترك آثاره في مصر لسنوات قادمة!!