نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا، شكلت ضربة إلى العسكر الذين يعتبرون أنفسهم حماة العلمانية التي أرساها مؤسس الدولة التركية مصطفى كمال اتاتورك، أو أبوالأتراك كما يلقب. فقد اختار الأتراك الذكرى الثلاثين للانقلاب العسكري، الذي وقع في 12 سبتمبر 1980، ليقولوا كلمتهم بانحياز 58% منهم إلى التعديلات التي تضفي مزيداً من الحرية والديمقراطية، عبر تغيير بنية المحكمة الدستورية وزيادة عدد أعضائها من 12 إلى 17 عضواً، وهو ما سيحدث تحولاً في توازنات القوة داخلها، ويخرجها من خانة الأداة المعطّلة لعمليات الإصلاح السياسي التي يتوق الأتراك إليها.

وبنتائج الاستفتاء، تنكسر ـ بتعبير البعض ـ إحدى أهم أدوات (الدولة العميقة)، التي كانت تتحكم بالسلطة السياسية في تركيا وتعرقل عملها على مدى حقب مديدة. نعم هذه التعديلات تنسجم مع مطالب الاتحاد الأوروبي، الذي تسعى تركيا ليل نهار للانضمام إلى صفوفه، لكنها في الوقت ذاته، تفتح آفاقاً رحبة على الدولة المدنية، التي تعلي من شأن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتقيد بالأصفاد مراكز القوى العسكرية والقضائية، التي عرقلت تطور المجتمع وحدت من انفتاحه الحقيقي على عصر الحرية والديمقراطية والمساواة في الحقوق والواجبات بين مكونات الشعب التركي.

لم يعد من حق العسكر الانقلاب الآن على الشرعية، والإفلات من العقاب، وان يمثل الانقلابيون أمام محاكم مدنية تقول كلمتها فيما ارتكبت أيديهم، وهذا ما يفسر سيل الدعاوى القضائية التي انهالت على المحاكم التي رفعها كتاب وصحافيون ومحامون بحق من بقي على قيد الحياة من قادة انقلاب 1980.

اليوم لم يعد من حق العسكر تطهير الجيش من خصومهم السياسيين من دون رقيب أو حسيب، بل بات من حق الضباط والجنود الذين يطردون من الجيش على خلفيات سياسية، اللجوء إلى القضاء للبت في شكواهم، وبما يكبل يد قادة الجيش، ويجعلهم يفكرون ألف مرة قبل اتخاذ قرارات طرد من يعتبرونهم معادون للعلمانية، وهي القرارات التي طالت مئات الضباط والجنود في سنوات سابقة.

طبعاً من حق حزب العدالة والتنمية ان يحتفل بالنصر، بعد أن حولت المعارضة معركة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، إلى اختبار لمدى الثقة في حكومة رجب طيب أردوغان، فكانت النتيجة التي أظهرت مدى انحياز الشارع التركي للإصلاح السياسي، ومنع التلاعب باختياراته، ورغبته الصادقة في التقدم إلى الإمام في سبيل بناء دولة عصرية ديمقراطية، تحترم كل الآراء وتحتكم إلى القانون عند أي خلاف يطرأ، والاستماع إلى صوت الشعب، أمام التحديات التي تواجه مسيرة الإصلاح.

صحيح ان التعديلات الدستورية، ما هي إلا إصلاح جزئي، يتطلب الاستمرار، لكنها بداية انتظرها دعاة الإصلاح السياسي سنوات طويلة، قبل ان تترجم بنعم في صناديق الاقتراع، والكرة الآن في ملعب أردوغان الذي يجب ان تشكل التعديلات الدستورية حافزاً له لاستِكمال عملية الإصلاح إلى أبعد مدى.

وإذا كان الأتراك تواقون إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، الذي أشاد بنتائج الاستفتاء، عليهم ان يضعوا في الاعتبار ان تلك الإشادة جاءت مقرونة، بترجمة التعديلات إلى قوانين وقرارات على أرض الواقع، بما تؤكد التزام الدولة التركية بالمعايير التي وضعها الاتحاد، لانضمام الأتراك إلى حظيرته، التي يرى فيها البعض الفردوس الأرضي الذي يستحق العناء.

من حق أردوغان وحزبه، الثقة بالنفس، والشعور بحلاوة النصر، في معركة الاستفتاء التي واكبت ضغوطاً خارجية وداخلية هائلة، لكن ذلك لا يجب ان يكون سبباً للإفراط في التفاؤل، فمسيرة الإصلاح التي بدأت بوصول العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، يجب ان تواصل دورتها،، وتفتح الأبواب، كل الأبواب على مصراعيها، أمام الحرية والديمقراطية، ووأد الاستبداد.