على ما يبدو أنه قد جرت عملية تعتيم متعمدة على الوثائق السرية التي نشرها في يوليو الماضي موقع «ويكيليكس »الإلكتروني، والتي تتعلق بالعمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، هذه الحادثة التي قيل عنها أنها أكبر وأخطر عملية تسريب معلومات سرية في تاريخ أمريكا، حيث نشر الموقع المذكور أكثر من 92 ألف وثيقة لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون». وهذه المعلومات عبارة عن أرشيف يتضمن 92 ألف محضر عن العمليات القتالية التي جرت في أفغانستان في الفترة ما بين يناير 2004 وديسمبر 2009. ونشرت بعض الصحف الأمريكية والبريطانية والألمانية مقتطفات من هذه الوثائق.

وتشير هذه المعلومات المسربة إلى أن وضع الأمريكيين في أفغانستان أسوأ بكثير مما تحاول واشنطن الرسمية تصويره وتقديمه، حيث أن الجيش الأفغاني عاجز تماما عن مواجهة مقاتلي حركة طالبان، وأن الخسائر البشرية بين المدنيين تفوق الأرقام الرسمية بأضعاف مضاعفة، وأن حركة «طالبان»تساندها باكستان وإيران، وقد بلغ عدد القتلى بين صفوف القوات الأجنبية هناك خلال ما مضى فقط من عام 2010 نحو 521فردا، في حين تناقص عدد الضحايا من حركة طالبان ثلاث مرات عن ذي قبل.

ومن أخطر ما كشفته هذه الوثائق الأساليب الغير شرعية والغير إنسانية التي تستخدمها القوات الأجنبية في أفغانستان، والتي يذهب ضحيتها المدنيين من الشعب ألأفغاني وليس مقاتلي طالبان، و من هذه الأساليب ممارسات القوات البولندية التي تقدمها الوثائق مصورة بالفيديو، والتي تعرض عمليات لنسف منازل أثناء وجود سكانها فيها، هذه المشاهد التي طالب المدعي العام في بولندا بالتحقيق فيها.

البعض في واشنطن والغرب يبرر ما يفعله جنود القوات الأجنبية في الأبرياء من أبناء الشعب ألأفغاني بأنه نتيجة الحالة النفسية السيئة والانهيارات العصبية التي وصل إليها الجنود الأجانب بسبب استمرارهم لشهور طويلة في حرب شرسة لا يعرفون نهاية لها وهم بعيدون ألاف الأميال عن أوطانهم وأهلهم، مما يدفعهم إلى ارتكاب أبشع الجرائم ضد أبناء الشعب الأفغاني، خاصة وأن هناك جنودا أجانب وسط القوات الأجنبية «مجهولون الهوية»يعملون لحساب شركات أمن أمريكية وبريطانية.

وهؤلاء بالتحديد يمارسون أبشع وسائل القتل والتنكيل بالمدنيين من الشعب الأفغاني، وعندما يشاهدهم الجنود النظاميون يصابون بحالات نفسية تدفعهم إما أن يفعلوا مثلهم أو يصابوا بالانهيار، وحسب الوثائق المنشورة فإنه منذ دخول القوات الأجنبية في أفغانستان وحتى الآن هناك نحو أكثر من ثمانمائة جندي أمريكي ماتوا منتحرين بسبب حالات الانهيار العصبي من جراء ما يشاهدوه ويعانوه هناك، هذا بخلاف القتلى من الجنود الأجانب أثناء القتال والذين يتجاوز عددهم أضعاف ما يعلن رسميا، فقط في يونيو الماضي قتل نحو 102 جندي أجنبي، حسب بيان حلف الناتو.

لقد باتت الحرب في أفغانستان في عامها التاسع أطول الحروب التي شهدها العالم منذ قرن مضى، ولا أحد يستطيع أن يحدد حجم خسائرها ولا متى ستتوقف، والأوروبيون متورطون بشكل كبير في هذه الحرب، وكلما أعلنت دولة أنها ستسحب جنودها من هناك تعرضت لضغوط أمريكية للعدول عن قرارها، هذا رغم الضغوط التي تتعرض لها حكومات هذه الدول من شعوبها بسبب سقوط العديد من الضحايا بين قواتها هناك.

الرئيس الأفغاني حامد قرضاي ندد أكثر من مرة بما تفعله القوات الأجنبية من مجازر مع الأبرياء من أبناء الشعب الأفغاني، ووصل به الأمر أن وجه اتهامات مباشرة لأفراد هذه القوات الأجنبية بقتل الأفغانيين عمدا، وطلب قرضاي أكثر من مرة من روسيا مساعدة الشعب الأفغاني، هذا على الرغم من ذكريات الوجود السوفييتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، لكنها لا تقارن، كما يقول الأفغان أنفسهم، بالجحيم الذي يعيشونه الآن.

وكما قال أحد القادة الأفغان الذين حاربوا السوفييت «لقد دمر الأمريكيون كل ما بناه السوفييت عندنا من مدارس ومستشفيات وطرق ومؤسسات »، ولم يحدث أن اتهم الأفغان الجنود السوفييت «الشيوعيين آنذاك»بهدم المساجد أو قصفها كما تفعل القوات الأمريكية الآن، ولم يتهم أحد السوفييت بتعمد قتل المدنيين أو بهدم المنازل على رؤوسهم، ولم يقتل الجنود السوفييت صحفيا واحدا.الصحف الأميركية نفسها علقت على ما كشفته الوثائق السرية للحرب في أفغانستان، بأنها قد تتعدى في بشاعتها الحرب في فيتنام.