على مدى الأيام القليلة الماضية التي عقدت خلالها الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة في شرم الشيخ والقدس المحتلة، كان من الواضح والملموس أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تسعى بكل السبل، بما في ذلك تدخلها الشخصي وحضورها افتتاح الجلسات، ولقاءاتها الثنائية والجماعية مع الأطراف الأخرى، واتصالاتها مع عدد من قادة المنطقة، وذلك من أجل تأمين دفع المفاوضات المباشرة للسير في طريقها والعمل على تجاوز عقبة الاستيطان التي تصطدم بها المحادثات المباشرة منذ افتتاحها برعاية الرئيس الأمريكي أوباما في أوائل هذا الشهر.
وبالرغم من الجهد المتصل لوزيرة الخارجية الأميركية، إلا أن التعويق الإسرائيلي والتعطيل المتعمد لذلك من جانب حكومة بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي كان كافيا لأن تعلن هيلاري كلينتون عدم التغلب على عقبة الاستيطان، أو بالأحرى على التصلب الإسرائيلي والتمسك من جانب نتانياهو بعدم تمديد تجميد الاستيطان في القدس والضفة الغربية بعد السادس والعشرين من الشهر الجاري، وهو ما يثير في الواقع قدرا من الحذر والترقب لما يمكن أن تشهده الأيام القادمة من جهود وتحركات إضافية لتجاوز التعنت والتعويق الإسرائيلي المتعمد بالنسبة لهذه المسألة التي تحظى باهتمام كل الأطراف، خاصة على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
ومع الوضع في الاعتبار أن الوصول إلى درجة الاستقطاب الحادة، أو بمعني آخر تشدد كل طرف في التمسك بموقفه، هو من أكثر ما يهدد أية مفاوضات، إلا أنه من الواضح – حتى الآن على الأقل – أن وزيرة الخارجية الأميركية لايزال لديها أمل في تجاوز هذه العقبة خلال الأيام القليلة القادمة. صحيح أنها طرحت فكرة تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر أخرى من أجل إيجاد مخرج، وإتاحة فرصة لإمكانية التوصل إلى تحديد حدود الدولة الفلسطينية المستقلة خلال الأشهر القادمة، غير أن نتانياهو لم يوافق – على الأقل حتى الآن على هذا الاقتراح – الذي يمكن أن يشكل طوق نجاة لاستمرار المفاوضات المباشرة والدفع بها قدما إلى الأمام، كما تتمنى واشنطن.
وإذا كان من المعروف على كل المستويات مدى وطبيعة العلاقات الإسرائيلية الأميركية، على كل المستويات وفي جميع المجالات كذلك، هذا فضلا عما قدمته وتقدمه إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لإسرائيل من دعم متعدد الألوان والسبل وفي جميع المجالات أيضا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تتعمد حكومة نتانياهو تعويق الجهود الأميركية، خاصة وأن هيلاري كلينتون بنفسها لم تترك مجالا لأي شك في حرصها ورغبتها في تحقيق تقدم في المفاوضات المباشرة بعد أن حضرت إلى المنطقة، واستمرت في زيارات متعددة لمختلف الأطراف المعنية فيها بعملية السلام؟
جدير بالذكر أن الاقتراح الأمبركي بتمديد تجميد الاستيطان لمدة ثلاثة أشهر أخرى بعد موعد السادس والعشرين من سبتمبر الجاري لم يكن عشوائيا، ولكنه راعى في جانب منه طبيعة تشكيل الحكومة الإسرائيلية والضغوط التي يتعرض لها نتانياهو من داخل حكومته وأقرب حلفائه، أي وزير خارجيته ليبرمان الذي عمد إلى التشكيك في المفاوضات وجدواها.
غير أنه يبدو أن نتانياهو لايزال في حاجة إلى قدر من الوقت ليحمل حكومته على القبول بالاقتراح الأميركي أو بصيغة تحقق الهدف ذاته في النهاية وإن جاءت بصياغة أخرى، وهنا تحديدا فإنه من المهم والضروري الاهتمام وبشكل كاف بالجانب الفلسطيني في المفاوضات، ولاسيما أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتعرض لضغوط شديدة، ليس فقط من جانب حركة حماس، ولكن أيضا من جانب شخصيات فلسطينية مستقلة أخرى لا تثق في حكومة نتانياهو ولا في التزام إسرائيل بعملية السلام.
وإذا كان الرئيس محمود عباس يحرص على إعطاء الفرصة كاملة لواشنطن والأطراف العربية الأخرى المؤيدة للمفاوضات للسير بها على طريق السلام والتمهيد لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، فإنه والسلطة الوطنية الفلسطينية يحتاجان إلى الدعم العربي الآن، ربما أكثر من أي وقت مضى.
