منذ وقت ليس بالبعيد، بدا أنه ليس هناك صراع دبلوماسي أميركي ـ صيني لا يمكن للعلاقات الاقتصادية المزدهرة بين الجانبين أن تتجاوزه. في إبريل 2006، عندما توقف الرئيس الصيني «هو جينتاو» في «سياتل».

في طريقه إلى واشنطن العاصمة، بدا أن القطاع الصناعي الخاص الذي يتخذ من «واشنطن الولاية» مقراً له، قد تجاوز سياسات النخبة في «واشنطن العاصمة»، باعتباره القوة التي تقف وراء شراكة مربحة بصورة متزايدة.

كانت الشركات الصينية قد تقدمت لتوها بطلبية تقدر ب5 مليارات دولار من شركة بوينغ، والتزمت بمشتريات ضخمة من برامج ويندوز من شركة مايكروسوفت.

وافتتحت «ستاربكس» مئات المقاهي، بما في ذلك مقهى داخل المدينة المحظورة في بكين. وقام «هو جينتاو» بجولات خاصة في هذه الشركات، واصطحبه رئيس مايكروسوفت «بيل غيتس» إلى مأدبة عشاء.

الأمور تغيرت، وكثير من العلامات التجارية البارزة نفسها في واشنطن الولاية، أصبحت ترمز إلى اتساع الفجوة في المصالح التجارية الأميركية - الصينية. ستاربكس تحتفظ بوجود كبير في الصين، ولكن أغلق متجرها داخل المدينة المحظورة عام 2007، بعد أن اشتكى أحد المدونين الصينيين المشهورين من أن وجودها يعد بمثابة إهانة للثقافة الصينية.

عندما قامت شركة بوينغ بتوريد صفقة أسلحة تعاقدت عليها وزارة الدفاع إلى تايوان في يناير الماضي، ردت الصين بالتهديد بفرض عقوبات على الشركة.

غوغل، بالطبع، دخلت في صراع مباشر مع الحكومة الصينية في وقت سابق من العام، عندما اشتكى مسؤولون في الشركة من أن مسؤولين صينيين (على الأقل) تغاضوا عن الهجمات التي شُنّت على خدمة البريد الإلكتروني للشركة، انطلاقا من حسابات داخل الصين.

ويعد قبول الرقابة الذاتية لنتائج البحث كثمن للدخول إلى السوق الصيني، أمراً مختلفاً تمام الاختلاف عن التعامل مع الهجمات المباشرة على البنية التحتية للشركة.

ذلك الصراع تم حلّه، في الوقت الحاضر، وجدّدت بكين رخصة تشغيل خدمة غوغل. لكن من المرجح أن تستمر هذه المعركة على جبهات متعددة، خاصة في ما يعرض الموقع الإلكتروني «بايدو»، المنافس الصيني الرئيسي ل«غوغل»، منتجات جذابة، وأعلنت بكين عن خطط لتشكيل محرك بحث مملوك للدولة.

ولم تحذُ أي من هذه الشركات الأخرى حذو خطوة غوغل في دخول مواجهة مباشرة مع بكين، ولكن الآن يحذر عدد متزايد من رجال الأعمال في الولايات المتحدة، من أنهم ليس أمامهم سوى خيار ضعيف، وهو التعبير عن آرائهم حول المشهد التجاري الأكثر تحدياً الذي يواجهونه داخل الصين.

كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ على مدى ثلاثة عقود، رحبت الصين بشكل متزايد بالشركات الأجنبية واستثماراتها في البلاد، جزئياً، من أجل مساعدة الشركات الصينية في الحصول على مهارات الإدارة وحنكة التسويق، والتكنولوجيا المتقدمة التي لا يتسنى تقديمها إلا من قبل الشركات الأجنبية فقط، وهي الأصول التي سوف تساعد الصين يوماً ما على تسلق سلسلة القيمة وبناء اقتصاد القرن الحادي والعشرين.

هذه الاستراتيجية أثبتت نجاحا باهراً، وأثبت العديد من الشركات الأميركية أنها شركاء لا غنى عنهم في النمو في البلاد، وحصلت على أرباح كبيرة في غمار هذه العملية.

ولكن في الوقت الذي رسخت الشركات الصينية أقدامها، فإن بعض الشركات الأميركية تبدو منافسا مباشرا في السوق، أكثر مما هي شركاء محتملون أو مخازن للمعرفة القيمة.

نتيجة لذلك، فإن الشركات الأميركية وغيرها من الشركات الأجنبية العاملة في الصين، سوف يتعين عليها إجراء تدقيقات صارمة، وإعادة النظر في الافتراضات المركزية بشأن طول المدة التي سيتم خلالها الترحيب بها.

وطيلة سنوات عديدة، فإن التوقعات بشأن الفوائد التي يتم جنيها من تغير اللعبة، أقنعتهم بقبول العديد من المخاطر المصاحبة لممارسة الأعمال في بلد متسلط، حيث لا يتم تطبيق قواعد اللعبة بشكل عادل.

وحرصا منها على ضمان إمكانية الحصول على العمالة الصينية التي ما زالت رخيصة، وارتفاع عدد المستهلكين الصينيين الذين لديهم الأموال لإنفاقها، فإن الكثيرين داخل مجتمع الأعمال الأميركي عارضوا تحذيرات واشنطن علناً لتصحيح الاختلالات في العملة والعلاقة التجارية غير المتوازنة، من خلال فرض تشريعات تجارية عقابية.

هذا بدوره قد تغير. ففي حين يرى العديد من الشركات الأميركية اضمحلال مزاياها التنافسية، حولت وجهتها إلى واشنطن من أجل الحصول على المساعدة. والمفارقة أن الشخص الذي رتّب زيارة «هو جينتاو» إلى واشنطن قبل أربع سنوات، وهو «غاري لوك» الحاكم في ما بعد، هو الآن وزير التجارة في إدارة أوباما.

وفي 26 أغسطس الماضي عارضت الوزارة أربعة عشر إجراء، تهدف إلى تشديد تطبيق القوانين الرامية إلى وقف الممارسات التجارية غير العادلة من جانب الاقتصادات غير السوقية مثل الصين.

وبصفة عامة، حاولت إدارة أوباما جاهدة إبقاء العلاقات مع الصين في مسارها، على الأغلب من خلال تأجيل اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتم رسمياً اتهام الصين بالتلاعب بعملتها.

ولكن في ظل تحليق البطالة الأميركية عند مستوى 10%، وانتخابات التجديد النصفي تلوح في الأفق، وحاجة الديمقراطيين في الكونغرس إلى كبش فداء، ومطالبة قادة الأعمال في الولايات المتحدة لواشنطن بالضغط على بكين.

وتطلع الصين إلى تقليل تدريجي للاعتماد في تحقيق النمو الاقتصادي على عادات الإنفاق لدى المستهلكين الأميركيين الذين يعانون من تقلص السيولة، فسوف يقتضي الأمر ما يتجاوز قراراً آخر بدفع الأمور قدماً على الطريق، لإعادة العلاقات العالمية الأكثر أهمية إلى مستوى أكثر ثباتاً.

رئيس مجموعة يوراشيا للاستشارات السياسية

opinion@albayan.ae