لم تتسبب المملكة في حروب وانقلابات، ولم تكن في جبهة الرفض ضد طرف مع آخر، لكن الحيادية في أمور حساسة تتصل بالأمن الوطني تفرض التعامل مع كل الظروف والاحتمالات بالتحصينات المتاحة بما في ذلك تعزيز القوة العسكرية، وخاصة في منطقة متفجرة، كمنطقتنا وما يحيط بها، يسودها عدم الاستقرار والاستهداف..

صفقة الأسلحة الضخمة مع أمريكا، جاءت تحت إلحاح امتلاك قوة ردع تتوازى وحجم المملكة ودورها، ولعل ما حدث من حروب هدد بعضها أمننا من خلال تدخلات خارجية، جعل الأولوية أنْ نذهب إلى تعزيز قدراتنا، لأن عالم اليوم لم يعد فيه للضعيف مكانة وسط سباق تسلح في المنطقة كلها..

صحيح أنها مكلفة لكن معادلتها بسلاح رادع وقدرات دفاع متقدمة وفي ظروف مالية جيدة، ضرورة وهي طبيعة أي بلد يشعر بالخطر، سواء في محيطه أو خارجه، وقد شهدنا سباق التسلح في الدولتين العظميين آنذاك الاتحاد السوفياتي وأمريكا، وكذلك الهند التي رفعت قدراتها العسكرية من خلال صفقات مع عدة دول، وأيضاً كوريا الجنوبية، وتايوان وغيرها، فحق الدفاع مشروع تقرّه كل القوانين والشرائع، وقضية الاعتماد على حليف أو صديق بدون بناء قدرات ذاتية تصبح قراراً غير صحيح..

لقد تعلّمنا خلال السنوات الماضية أنه لا ضمانات أمنية في بيئة تتصارع فيها الإرادات وتوظيف عناصر التخريب والتآمر تحت ذرائع مختلفة، وقد اكتوت المملكة بالعديد منها، وحتى هذه الصفقة ستثير العديد من التشكيك، والتعليلات التي يفسرها كل طرف برأي معين، لكن اتخاذ قرار سياسي وعسكري كهذا، يؤكد أن الدولة بقياداتها، هي من يقدر الظروف ويتعامل معها وفق الدوافع التي فرضتها أحداث المنطقة والدول الإقليمية الأخرى..

إعادة بناء قواتنا بأفضل الأسلحة والتقنيات المصاحبة لها من أهم دولة مصنعة لهذا الإنتاج في العالم، تؤكد أن الخيارات منطقية ولا يعني ذلك أن هذه القوات ستوظف للاعتداء على أحد، والذي لم يكن في أي يوم من طبيعة سياستنا ومواقفنا، لكن أن تستشعر الخطر، فإن من البدهيات أن تبني خططك الدفاعية وفق احتياجاتك الضرورية، وليس في الأمر أي مبالغة إذا ما قدرنا أن الأمن بامتلاك رادع قوي يسبق الخبرة، وهي من فرضيات الواجبات الأساسية..

ومثلما استطعنا بقدراتنا الذاتية هزيمة الإرهابيين وتقليص دورهم، فإن إيجاد قوة فاعلة وطنية، وبقدرات متقدمة تقنياً وبشرياً يعطينا الثقة بأن مجالنا الجوي وحدودنا، وكل مساحاتنا المتعددة، لابد أن تكون محصنة من أي اعتداء يفرض علينا، وليس من باب المبالغة القول إن بناء أي قوة ليس ترفاً طالما فرضته أحوال منطقة لا تسعى للاستقرار وسط مخاوف تثيرها النزاعات وسباقات للتسلح لا تدري ما هدفها وأين ستتوجه..