من المؤسف أن تكون تركيا غير معروفة بالدرجة الكافية، وألا يكون وضعها مفهوماً في الغرب، وهي التي تسعى، منذ العام 1962، للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فسياستها الداخلية عصية على الفهم، وهذا هو السبب الذي جعل نتائج الاستفتاء على الدستور التركي الجديد، التي أعلنت مؤخراً، لا تثير اهتمام الكثيرين، خارج حدودها.
وهذا حقاً أمر مؤسف، لأن ما أسفر عنه الاستفتاء مؤشر مهم لتحول تركيا من دولة نصف ديمقراطية شديدة المركزية، تتخذ فيها مواقف الجيش قوة القانون، إلى ديمقراطية على الطراز الأوروبي إلى حد كبير.
وحتى الآن، من الصعب مقاضاة العسكريين أمام المحاكم المدنية، وفوق ذلك يمارس الجنرالات نفوذاً كبيراً على القضاة الذين يميلون لتنفيذ رغبات العسكريين، فيحظرون الأحزاب، سواء الدينية أو ذات النزعة الانفصالية، التي يمكن أن تشكل تهديداً لرؤية العسكريين لطبيعة الدولة العلمانية.
وقد طلب من الأتراك في الاستفتاء، الذي قدمه رئيس الوزراء المعتدل رجب طيب أردوغان، بين أمور أخرى، أن يوافقوا على إمكانية محاكمة قادة الجيش والعسكريين أمام المحاكم المدنية، ونقل سلطة حظر الأحزاب من القضاء إلى البرلمان.
ومثلما فعلوا في الماضي تماماً، يصر خصوم أردوغان على أن هناك أجندة سرية وراء تلك الإصلاحات التي يفترض أنها تقدمية، ويعتقدون أن الهدف من ورائها هو إلغاء النظام العلماني، الذي وضعه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك في العشرينات من القرن الماضي، إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية.
لدى أردوغان، دون شك، نزعة دينية، ولكن ليس هناك أي دليل حتى الآن على وجود أي نوايا لديه مضادة للديمقراطية. وعلى العكس، فإن معظم مبادرات رئيس الوزراء التركي، مثل التفاوض مع الانفصاليين الأكراد، تمثل تحسناً ملحوظاً عن السياسات القمعية التي كان يتبناها سابقوه الأكثر علمانية.
لطالما أيدت بريطانيا انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، معتقدة عن حق أن توثيق عرى الروابط بين الجانبين، سيجعل من أنقرة إضافة قوية للغاية للغرب، على المستوى الديمغرافي وعلى المستوى الأمني. ولكن، للأسف، لم تنجح هذه الرؤية في شق طريقها في أوروبا لأسباب عدة، بعضها يتعلق بالعنصرية، وبعضها يتعلق بكراهية الإسلام.
لكن هناك اعتراضات أخرى ذات أسباب معقولة، وهي تعتمد على اعتقاد بأن أوروبا يجب ألا تقلل معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان المقبولة لديها، لمجرد تسهيل ضم تركيا للاتحاد الأوروبي.
وبنجاح الاستفتاء تتراجع أهمية تلك الاعتراضات، وستصبح تركيا أفضل داخلياً، كما أنها ستكون في موقف أقوى عندما تواجه تلك الدول الأوروبية التي تريد إبقاء الباب مقفولاً في وجهها.
وقد بذلت حكومة أردوغان جهوداً كبيرة لإنجاح الاستفتاء، الذي جاءت الموافقة عليه بنسبة 58%، إذ دحض رئيس الوزراء دعاوى المعارضة، وأكد أن التعديلات الدستورية ستقوي مركز تركيا، وستجعلها أقرب إلى الديمقراطية الأوروبية. كما قال كبير المفاوضين الأتراك مع الاتحاد الأوروبي إيغمين باجيش، إن وطنية أي شخص يرفض التعديلات الدستورية، سيكون مشكوكاً فيها.
وتهدف التعديلات إلى تغيير تركيبة المحكمة الدستورية والهيئة المعنية بالتعيينات القضائية، والطريقة التي يتم بها اختيار أعضائها.
وكانت محاكم تركيا الرئيسية قد أغضبت الحزب الحاكم مراراً، بمنعها تمرير قوانين كانت تستهدف إرضاء جماهير الحزب المتدينة، ومن بينها مشروع قانون كان يهدف إلى رفع الحظر المفروض على ارتداء النساء للحجاب في الجامعات التركية.
كما تتضمن التعديلات منح الموظفين المدنيين حق المطالبة الجماعية بحقوقهم، باستثناء حق الإضراب، كما تتضمن دعم حقوق المرأة والطفل.