الخطاب الذي ألقته وزيرة الخارجية الأميركية أمام مجلس العلاقات الخارجية الأسبوع الماضي، نموذج ممتاز يؤكد أن «السياسة الأميركية كلها محلية»، كما قال رئيس مجلس النواب الأميركي الأسبق تيب أونيل. فخطاب الوزيرة كان فيه من السياسة الداخلية بقدر ما فيه من السياسة الخارجية.
ووزيرة الخارجية بحكم موقعها، محظور عليها قانوناً أن تتخذ مواقف في السياسة الداخلية الأميركية، بالمعنى الحزبي والسياسي. والوزيرة رغم أنها التزمت بذلك، إلا أن الواضح أن الداخل الأميركي وأزماته فرض نفسه بقوة على خطابها.
فقد كان لافتاً للانتباه أن تذكر الوزيرة في خطابها، الدين العام الأميركي، وتدهور البنية التحتية، ثم تسهب عند الرد على الأسئلة في الحديث عنهما، باعتبارهما تهديداً «حقيقياً وطويل المدى للأمن القومي الأميركي».
وهي شرحت ذلك بالقول إن من شأن ذلك أن «يقوض قدرتنا على العمل من أجل مصالحنا، ويقيدنا حيث لا ينبغي أن نكون مقيدين. كما يبعث رسالة للعالم تؤكد ضعفنا».
وبلغة غير معتادة ممن يتولى وزارة الخارجية، ألمحت الوزيرة إلى طبيعة الجدل السياسي الحاد بين الرئيس أوباما وخصومه الجمهوريين، بقولها «إن هناك الكثير من الأمور الخاطئة التي يمكن أن نفعلها فتزيد الأمر سوءاً، أعني أن أمامنا قرارات صعبة».وتلك لغة يستخدمها الرئيس وفريقه الاقتصادي، لا من يتولى الخارجية.
لكن يبدو أن الانتخابات الصعبة التي سيواجهها الديمقراطيون في نوفمبر، كانت نصب عين الوزيرة، ويبدو أن إحدى مهام الخطاب لم تكن استعراض سياسة الإدارة الخارجية، وإنما التأكيد على نجاح تلك السياسة، والرد على الجمهوريين الذين يتهمون أوباما بأنه أضعف أميركا دولياً عبر توجهه التوافقي.
فالخطاب منذ البداية أكد أهمية «زعامة أميركا للعالم»، وأهمية تطوير القوة العسكرية الأميركية واستخدامها إذا لزم الأمر. وقد بدأت الوزيرة خطابها بقولها «دعوني أقول بوضوح إنه يتحتم على الولايات المتحدة أن تقود العالم في القرن الجديد، وهي قادرة على ذلك وستقوم به».
وكأن كلينتون كانت تتحدث إلى المحافظين الجدد، حين أكدت على «اللحظة الأميركية الجديدة». فالمحافظون الجدد كانوا قد اتهموا بوش الأب وكلينتون، بأنهما ضيعا «لحظة» نادرة تحققت فيها الهيمنة الأميركية على العالم، بعد أن سقط الاتحاد السوفييتي، وذلك حين لم يعملا على تحويل تلك «اللحظة» إلى عصر كامل من الهيمنة الأميركية.
لكن هيلاري لم تستخدم تعبير الهيمنة، وإنما التزمت بتعبير «قيادة العالم» التي قالت إنها ضرورية «حتى وإن كان يتحتم علينا أن نقود بطرق مختلفة».
ومن هنا رسمت الوزيرة استراتيجية من خمس خطوات لتحقيق تلك القيادة؛ أولاها تعميق العلاقة مع حلفاء أميركا الأقوياء، وثانيتها تطوير قدرة أصدقائها في الدول النامية على حل مشكلاتهم ومواجهة التطرف في مجتمعاتهم.
أما الخطوة الثالثة فهي تعميق التفاعل مع الدول الصاعدة التي يزداد نفوذها، وهي الدول التي حددتها بالاسم في الصين وروسيا وتركيا والبرازيل وإندونيسيا وجنوب إفريقيا.
وقد ركزت الوزيرة على بناء منظمات إقليمية ودولية، وتطوير الموجود منها بالفعل، لتسهم في تحقيق المصالح الأميركية، واعتبرت ذلك التطوير هو الخطوتان الرابعة والخامسة في استراتجيتها.
لكن أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب، هو أنه ركز بشكل كبير على عرض تلك الرؤية تفصيلًا، وتجاهل السياسات الفعلية. وتلك الرؤية على أهمية عرضها، كانت في الواقع معروفة إلى حد كبير لكل من تابع بانتظام أداء إدارة أوباما وما يصدر عنها منذ توليها.
الجدير بالملاحظة، إذاً، كان أن خطاب وزيرة الخارجية لم يقل إلا أقل القليل، عن المشكلات الصعبة التي تواجهها أميركا في سياستها الخارجية من الناحية العملية، وعلى رأسها الوضع في أفغانستان والعراق، ثم علاقة تلك الاستراتيجية بهما.
لكن المثير للدهشة بدرجة أكبر، كان أن الأسئلة التي تلقتها الوزيرة من الحاضرين في واحد من أهم مراكز الفكر المهتمة بالسياسة الخارجية في أميركا، هي أنها خلت هي الأخرى من أي سؤال حول هذين الموضوعين!
فالسؤالان الأول والثاني كانا عن الاقتصاد الأميركي والانتخابات التشريعية هناك، وعلاقتهما بالسياسة الخارجية، بينما تلقت الوزيرة عدداً من الأسئلة تعلقت بالسودان والمكسيك وإيران وكوريا الشمالية، فضلاً عن سؤال يتعلق بتأثير موقف القس المتطرف صاحب فكرة حرق المصحف الشريف، على أداء الوزيرة لمهامها كوزيرة للخارجية.
ورغم أهمية تلك المفارقة ذات الدلالة البالغة المتعلقة بالرباط الوثيق بين الداخل والخارج الأميركي، إلا أن ما لا يقل دلالة عن كل ذلك، هو إجابة كلينتون على السؤال المتعلق بمسألة حرق المصحف.
فهي في ظني إجابة نموذجية، ينبغي أن يحفظها دبلوماسيونا العرب والمسلمون عن ظهر قلب ليرددوها كما هي دون زيادة أو نقصان، كلما قام متطرف مسلم بعمل إرهابي لا يعبر عن الغالبية الساحقة من المسلمين.
فالوزيرة لم تضع نفسها أبداً في موقف دفاعي، واتخذت موقف الواثق من بلاده وقيمها، بل والذي يطالب الآخرين بتفهم تلك الحقيقة. فهي، بعد أن دانت الرجل، مستخدمة في ذلك لغة بالغة القوة، قالت إن هذا العمل «لا يمثل أميركا ولا الأميركيين ولا الحكومة الأميركية ولا القيادات الدينية والسياسية في أميركا».
الأهم من ذلك أنها سردت أسماء كل أولئك المسؤولين في أعلى مستويات الحكم الذين دانوا الرجل بقوة. ثم قالت في نهاية حديثها ببساطة «إننا نريد أن يتم الحكم علينا وفقاً لمن نحن، لا وفقاً لشيء استثنائي» كهذا.
بعبارة أخرى، الوزيرة دانت بقوة، وحشدت كل الإدانات الصادرة عن مسؤولين في أعلى مستويات الحكم، وقالت إن الحدث لا يمثل بلادها، ثم راحت تطلب من الآخرين أن يتفهموا ذلك.
manarmes@yahoo.com
