لعل أسوأ داء أصاب حركة الفن والإعلام هو فيروس المال والأرباح، ذاك الفيروس الذي تغول في جسم الفن وسيطر على أغلب خلاياه وأعصابه، بل أصبح هو عصبه المحرك الوحيد الذي يأمر وينهى، ويمرر ويمنع، ويصالح ويحارب، بل ويرى ثقافة المجتمع كما تروج لها رؤوس الأموال والأعمال.

هذا الداء العضال في أكبر مصدر معرفي في حياة الناس ألا وهو الإعلام، يحمل دوماً في ثناياه دوامات التلاعب بآراء الآخرين واتجاهاتهم، ما دامت تخدم مبدأ زيادة الأرباح وتقاسم حصص المبيعات.

بل أخطر من ذلك تستغل أحياناً هذه القنوات المفتوحة على كل البيوت والعقول والأعمار، لتنسج خيوط عنكبوت الأفكار التي تريدها والمخططات التي تسير عليها، لتشكيل الرأي العام بما يخدم الرغبات الخاصة.

هذا الذي نقوله حركت كوامنه صفقة شراء إحدى أكبر شركات الإعلام العالمية، وهي شركة «نيوز جورب» التابعة لروبرت مردوخ، لأسهم من إحدى شركات الإعلام العربية الكبيرة، ودخولها شريكاً في صناعة الرأي العام العربي وثقافة المجتمع وفنه وإعلامه وأخباره.

والأمر كان يمكن أن يبقى في حيز الاستثمار التجاري البحت، لولا أن هذا الطرف المقبل على منطقتنا العربية الشرق أوسطية، يحمل في جعبته وتاريخه ما يصدم كل من سمع بهذه الصفقة.

فروبرت مردوخ، لمن لا يعرفه، يسيطر على مجموعة «نيوز جورب» التي تعد من أكبر الإمبراطوريات الإعلامية في العالم، والتي تمتلك داخل الولايات المتحدة الأميركية شبكة تلفزيون «فوكس» وشركة «القرن العشرين فوكس للإنتاج السينمائي».

كما يملك مردوخ إضافة لما ذكر شبكة «سكاي نيوز» التي تعد واحدة من أبرز منافسي شبكة سي إن إن، والكثير من الصحف العالمية والأندية الرياضية الكبيرة.

هذا الغول الإعلامي والملياردير اليهودي، حين يسعى جاهداً ليضع قدمه في إعلام الشرق الأوسط، لا ينطلي علينا أنه يرغب في زيادة أرباحه أو مضاعفة مصادر دخله، فأكبر الظن أنه متشبع حد التخمة من الأرقام الفلكية التي تدور في حساباته!

كما أننا لا يمكن أن نصدق أنه متأثر بالوضع المتردي للإعلام العربي والمستوى الذي وصل إليه، فاندفع بشهامة أبطال التاريخ لينقذ إعلامنا من التدهور وينتشل فننا من الهبوط!

فإذا لم يكن الغرض مادياً نظيفاً ولا إنقاذاً شريفاً، فلا بد أن وراء الصفقة ما وراءها، وأن مسمار مردوخ الذي دق في جدار إعلامنا العربي، سيغدو مع الزمن هو الجدار والمتلقي العربي هو المسمار!!

ولنتكلم بوضوح وشفافية أكبر، ما دام الأمر يهمنا كإعلاميين أولاً، ثم كمتلقين ثانياً، تفتح نوافذ وأبواب بيوتنا على مصاريعها أمام ما يضخه الإعلام صباح مساء، وشبابنا يتلقفون الفن المخدر كحاطبي الليل لا يبالون بما ينهلون، ما دام يدور في فلك المتعة والتشويق والإثارة حتى ولو كانت رخيصة!

فما الذي نتوقعه من قنواتنا حين يصبح المتنفذون فيها يملكون أجندات بعيدة المدى، هدفها تحطيم الشباب وانتمائهم وهويتهم، والسعي إلى تذويبهم وصهرهم في توجهات غريبة عن أهدافنا ومبادئنا؟!

وما الذي نتوقعه حين تكبر دائرة السيطرة لمثل هؤلاء المتنفذين، فيمررون ما يرغبون تحت مظلة تصفيقنا وأوهامنا في الشراكة بهدف تطوير الإعلام والارتقاء بمستواه؟!

وما الذي ننتظره حين نعلم أن من أهداف مردوخ التي لا يخفيها، أن يتم استخدام الموسيقا العربية والدراما العربية والسينما العربية، للقيام بغسيل الدماغ العربي والإمساك بزمام السيطرة على المسرح الثقافي النفسي الشرق أوسطي؟!

ثم ماذا نفعل حين يصبح في كل بيت من بيوتنا «مردوخ» صباحاً ومساءً، يعرض مبادئ النظام العالمي الجديد، اللامنتمي وبلا هوية أو أصالة أو تاريخ أو مستقبل؟!..

المؤلم حقاً أن الجمهور المتلقي لنتاج المؤسسات الإعلامية، والذي يعد هدف هذه المؤسسات والمقصود الأول لها، وعليه وله تصنع المواد الفنية والإخبارية وغيرها، هذا الجمهور لا يقام لرأيه أي وزن في اختيار ما يرغب في سماعه، ولا يستشار في أمور تبدو شخصية لأناس معينين، في حين أنها تمس هوية أمة وثقافة مجتمع.

والمؤلم أكثر أن الفعاليات الإعلامية ارتضت لنفسها أن تمارس دور المشاهد لما يحدث، ولا تعلم أنه سيأتي اليوم الذي تقول فيه «أكلت يوم أكل الثور الأبيض»!!

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»

nooraalswidi@yahoo.com