الذكرى الجديدة للهجوم على البرجين التوأمين ومبنى البنتاغون، كانت التاريخ الذي اختاره القس الأميركي تيري جونز للدعوة إلى حرق نسخ من القرآن أولا، وترك الناس في حيرة «حيص بيص» ثانيا.
وإثر الضغوط التي تلقاها من أعلى المستويات في الإدارة الأميركية، بما في ذلك نداء شخصي من وزير الدفاع، أراد جونز ربط الإلغاء النهائي لاجتماع الساحرات الذي دعا له، بالتخلي عن مشروع بناء مسجد في المناطق القريبة من المنطقة النيويوركية المعروفة بالمنطقة صفر، حيث كان ينتصب البرجان قبل تدميرهما.
لكن سلوكه الغريب والشاذ والمخالف للصواب، يبقى بعيدا كل البعد عن إمكانية القول إن العالم قد تجاوز مخاطره وتبعاته، لأن متشددين آخرين متحمسين جراء الشهرة التي حققها القس الظلامي، قد يقوموا بذلك العمل الآن أو في المستقبل.
هذه الحالة تبين الصعوبات في توجيه الحرب ضد «التيار الجهادي»، دون اتفاق سياسي واجتماعي حول الأهداف المحددة التي يتم السعي إلى تحقيقها.
فالوضاعة السياسية الأميركية المستمالة من قبل الـ «تي بارتي»، تشطب الحدود بين الحرب الضرورية ضد «القاعدة»، والتهجم غير المقبول على لإسلام وأتباعه. إنه وسط هذه البيئة يكتسب أشخاص هامشيون مثل جونز أهمية لا يستحقونها. وإنه في الرد على هؤلاء فإن أصولية مماثلة وهامشية كذلك، تجد الغذاء المناسب لتوسيع رقعة دعمها والذريعة لتبرير أفعالها.
إن القوة الممزعزعة التي يتمتع بها قس فلوريدا، لا تأتي من حفنة من أبناء رعيته، ولا من المضمون غير المحترم إلى حد كبير لمبادرته، بل تأتي من الدائرة الحلزونية للأصولية التي تنطلق منفلتة من عقالها، معتمدة على رد نظرائهم في الجانب الإسلامي.
من هنا تأتي أهمية الحيلولة دون أن يقوم أمثال تيري جونز، من هذه الطائفة أو تلك، باختطاف العلاقة السياسية والدبلوماسية بين الدول، عن طريق التأسيس لعلاقة يقودها قادة لاهوتيون يخوضون مواجهة لا تسعى إلى التضرع، وإنما إلى التحريض بنية وحيدة قوامها إثبات تفوق ديانتهم.
الشعبوية التي تسعى داخل الولايات المتحدة وخارجها إلى جعل الإسلام كبش فداء جديد للحصول على الدعم الانتخابي، لا تجد ترجماتها فقط في حالة التدهور الخطيرة لدولة القانون. بل إنها آخذة بالتحول أيضا إلى تعقيد إضافي في محاربة «الارهاب الجهادي»، وذلك بإضعاف الموقف السياسي والأخلاقي الذي تقاتل الأنظمة الديمقراطية على أساسه.
ما تتحداه الأعمال الإجرامية للقاعدة، لا يكمن في تفوق طرف ديني على آخر، وإنما في احترام الحياة والحريات التي تسنها المنظومات القانونية المصوت عليها من قبل المواطنين. ومن بين تلك الحريات هناك حرية الديانة وحرية العبادة، التي لا تعترف بأي استثناء في حالة المسلمين.
بعد تسع سنوات مرت على اعتداءات نيويورك وواشنطن التاريخية، تم إحراز الكثير من التقدم على صعيد الحيلولة دون استمرار جرائم القاعدة، لكنه كثيرا أيضا ما بدأت بتدميره الشعبوية، التي تمنح أجنحة للممارسات غير المسؤولة، على غرار التهديد بحرق نسخ من القرآن.