من فضلك، لا تحاول، فقد حاولت قبلك، ولم أصل إلى نتيجة، على الرغم من الجهود العديدة التي بذلتها، حتى أصبح يخيل إليّ أن العثور على نسخة من كتاب «البوشيدو ـ روح اليابان» أشبه بالعثور على الغول والعنقاء والخل الوفي.

لكنني كنت على موعد مع الخط، حيث علم أصدقاء كرام في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ببحثي الدائب عن الكتاب، فبادروا إلى القول إن لديهم خبرين لي، أحدهما سعيد، والآخر ليس كذلك تماماً.

أما الخبر السعيد فهو ان النسخة الأخيرة في الطبعة التي أصدرتها الهيئة من الكتاب موجودة لديهم، وقد تكرموا بإهدائي إياها، باعتباري مترجم الكتاب، وأما الخبر البعيد عن السعادة فهو ان الهيئة لا تعتزم إصدار طبعة جديدة من الكتاب.

ويقيني ان طبعة جديدة لهذا الكتاب المهم ستشق طريقها إلى الصدق، ولكن هذا ليس هو، بالضبط، ما أتحدث عنه هنا، وإنما ما أريد الحديث عنه هو ما يشير إليه عنوان الكتاب.

ليس من قبيل الصدفة أن اليابان تعود اليوم، وبعد مئة عام أو يزيد من إطلالة هذا الكتاب لأول مرة، بقلم رائد عبقري من رواد التحديث الياباني، لتناقش ما يتناوله الكتاب، أي روحها، لا أقل ولا أكثر.

المؤلف إينازو نيتوبي، غادر اليابان في عام 1884، وأمضى ثلاث سنوات في الدراسة بالولايات المتحدة، ومثلها في ألمانيا، وأكمل ثمانية عشر عاماً من الدراسة والتدريس والإقامة والترحال في أوروبا والصين وجنوب شرق آسيا، حصل خلالها على خمس درجات دكتوراه، وعندما عاد إلى اليابان تحول إلى جسر هائل لعبور بلاده إلى عالم التطوير والتحديث، وألف كتابه الشهير في عام 1899، ليترجم إلى معظم لغات العالم، وليحظى باهتمام لا مثيل له.

البوشيدو، الذي يحدثنا عنه المؤلف، هو نسق أخلاقي حكم سلوك طبقة المحاربين اليابانية على امتداد قرون، واتسع نطاقه ليغدو طريقة حياة بأكثر مما هو سلوك لشريحة اجتماعية محددة، وقد تنبأ المؤلف في كتابه بمغيب شمس البوشيدو. مع ذلك فإن البوشيدو لايزال يفرض حضوره وتجلياته، ليس في اليابان وحدها، وإنما في العديد من أرجاء آسيا، بل والغرب أيضاً.

اليوم تعود اليابان لتعكف على تأمل أغوار روحها، من أين جاءت، وإلى أين تمضي، وما هو مصيرها في عالم تجتاحه التغيرات وتمزقه رياح العولمة وتأثيراتها المروعة.

ونحن في عالمنا العربي لسنا بعيدين عن تأمل من النوع نفسه، وإن كان مختلفاً، وربما كان هذا هو السبب على وجه الدقة في اهتمام الكثيرين في عالمنا العربي بهذا الكتاب.ولكن التأمل الياباني واضح في طبيعته، صريح في جوهره، وقاطع في الأهداف التي يرمي إليها.

ليس من قبيل الصدفة أنه بينما حسم اليابانيون، منذ قرن على الأقل، الثنائيات التي تعرقل مسيرة أي مجتمع يسعى إلى الانطلاق من التخلف إلى التنمية والتطور، مثل ثنائية الأصالة والمعاصرة، فإننا في عالمنا العربي لا نزال نعيد طرح ومناقشة هذه الثنائيات المعرقلة، مع كل جيد جديد، كأنما في إصرار على أن نبدأ من الصفر دوماً، لكي نصل إلى الصفر، في رحلة دائرية، هي أقرب إلى حلقة جهنمية.

لست أنكر أن جهوداً عربية قد بذلت، على امتداد عقود، لمناقشة العقل العربي، تحليلاً وفهماً واستيعاباً ونقداً ودفعاً باتجاه التطوير، كما رأينا في أعمال مفكرين كبار من أمثال عبدالله العروبي وعابد الجابري وغيرهما، غير أنني اعتقد أننا مازلنا بحاجة إلى المزيد.

مازلنا، بصفة خاصة، بحاجة إلى التعمق في فهم الروح العربية، على وجه الدقة بالمعنى الذي حدثنا عنه هيجل في كتابه «ظاهريات العقل الكلي» والذي يجعلنا بإزاء الروح والعقل معاً، بحسبانهما تجلياً لكيان واحد، لا تناقض بين مكوناته.

هذا الرحيل الفكري ضرورة حتمية، وليس ترفاً ولا رفاهاً، وهذه الرحلة إن لم نقطعها، كاملة وحتى الشوط الأخير فإن مغيباً رهيباً سيظل يهيمن على أفق حياتنا العربية، دونما أمل في فجر آتٍ.