لقي الاستفتاء التركي ترحيباً دولياً، بعد التأييد الشعبي، واعتبره البعض مفتاحاً لبوابة العضوية المستعصية في الاتحاد الأوروبي، فوق كونه دفعة للإصلاح الديمقراطي.

والمطلوب الآن أن يسعى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، إلى حشد تأييد الشارع وعدم الاكتفاء بنسبة ال58 في المئة التي نالها عبر صناديق التصويت..

فالمشروع الإصلاحي يتطلب دفعاً من القاعدة، وهذا يفرض على القيادة التركية السعي إلى إيجاد تسوية مع المعارضة، ومحاولة استمالة نسبة من ال42 في المئة من الضفة المعارضة، وعدم الاستئثار بالقرار وفرض نوع من الوصاية، وتحاشي استنساخ تجربة العسكر عبر رداء الديمقراطية.

فالنظام، على اعتبار أن حزب العدالة والتنمية بات سيد الموقف، بات يحظى بالقوة لتمرير أي قرار، والخوف من أن تتحول هذه القوة عن مسارها الذي يوحد ويقوي.

تركيا تواجهها العديد من الملفات الشائكة، داخلياً، وإقليمياً، ودولياً، وهي في مواجهة هذه الاستحقاقات تحتاج للتناغم الداخلي، وأقله عدم الدخول في اضطرابات ولعبة شد حبال بين السلطة التنفيذية والسلطات الأخرى، وأولها الجيش، والهياكل السياسية.

ما جرى الأحد في تركيا مرآة لحراك وحيوية ديمقراطية، وسعي مجتمعي إلى التجديد، ودليل على عافية وقوة مؤسسية، فلا الحكم متسلط ولا المعارضة منفلتة، وهو نموذج يستحق التقدير.

ولا يمكن فصل ما جرى الأحد في تركيا، عما جرى خلال الشهور الـ20 الماضية من تحول تركيا نحو الجنوب والشرق، بعدما أوصد الغرب أبوابه أمامها، رغم أنها بوابة أوروبا الشرقية.. وعليه، ما جرى من استفتاء هو عودة لتركيا نحو تركيا، لترتيب أولوياتها ووضعها الداخلي.

وبعد هذه الصياغة الجديد للداخل، يمكن لتركيا أن تعطي دفعة إضافية لانطلاقتها الإقليمية، وربما في الداخل الأوروبي، كلاعب إقليمي وازن. والمقلق أن تلعب بعض الأصابع غير الراضية عن تركيا ودورها في المنطقة وتجاه القضية الفلسطينية، في تفجير ملفات تركية محتقنة، كالملف الكردي..

أو تتحرك اللوبيات لتعكير العلاقات التركية الأميركية والأوروبية، وبالتالي تفريغ الإصلاحات المتحققة من أهدافها، وقلب الطاولة على رجب طيب أردوغان الذي تمكن من إعطاء تركيا الموقع الذي تستحقه، لا في الجغرافيا فقط، بل في التاريخ كذلك.