خلال العقد المنصرم، بذلت روسيا محاولات متكررة لإظهار قوتها المتعاظمة للعالم. وهناك هدفان رئيسيان وراء ذلك: كسب اعتراف دولي بأنها قوة عظمى، ودفع دول أخرى للدخول في شراكات معها. وكلا الهدفين يعتمد على قناعة النخب السياسية الروسية، بأن روسيا يجب أن تكون على قائمة الدول العظمى بفضل مساحتها الهائلة وترسانتها النووية وقوتها الاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تركز السياسة الروسية تجاه الغرب بقوة، على سيادتها وتؤكد أحقيتها في أن تقف على قدم المساواة مع الدول العظمى الأخرى. غير أن استراتيجية موسكو تجاه جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، هي مسألة مختلفة تماماً.
ففي هذه الحالة تسعى موسكو بشكل جوهري إلى إجبار جيرانها على الدخول معها في شراكات. وتتبع موسكو هذا الأسلوب لأنها تريد تكوين أحلاف موالية لها في فنائها الخلفي.
وفي التطبيق العملي، فإن السياسة الخارجية الروسية إزاء محيط روسيا الخارجي القريب، تبدو كسلسلة من التصرفات العشوائية. ولم تحقق مبادراتها لتشكيل أحلاف متعددة الأطراف أي نجاح، ومن ذلك منظمة الأمن الجماعي، ومنظمة شنغهاي للتعاون. كما فشلت محاولات روسيا لاستخدام «دبلوماسية التشدد»، والموارد الطبيعية، كورقة رابحة في المساومات.
التباين بين جهود روسيا لاستعادة وضع الدولة العظمى، والنتائج المتواضعة التي تحققها، ينتج عن حقيقة مفادها أن هيكل السلطة الرأسي الذي بناه رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، هو مجرد خلطة غبية من الاستبداد، مزودة ببعض عناصر من الديمقراطية. ومن الواضح أن النظم الديمقراطية الليبرالية، وفي بعض الحالات النظم الاستبدادية المحضة، رغم غرابة ذلك، تكون أكثر فاعلية من النظام المختلط.
فالاعتبارات السياسية الداخلية غالباً ما تدفع قادة النظم المختلطة إلى اتباع سياسة خارجية متهورة وغير مسؤولة، في محاولة لزيادة شعبيتهم. ولكن حتى إذا أحب الناخبون تلك السياسة الخارجية العنيفة، فإنها تقوض مصداقية ذلك النظام في عيون شركائه الأجانب المحتملين.
وينتج عن ذلك الدخول في حلقة مفرغة، فكلما قلت جاذبية النظام بالنسبة للشركاء المحتملين، قلت قدرته على بناء استراتيجيات تحالف طويلة المدى مع دول أخرى، وزادت الإغراءات على السياسيين للنزوع إلى اتباع سياسة خارجية استفزازية. الطبيعة المختلطة للنظام السياسي الروسي، تجعل من الصعب على روسيا تقديم نفسها كدولة عظمى.
وإذا كانت روسيا راغبة في زيادة نفوذها العالمي، فعليها أن تحقق، ليس فقط النمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي، وإنما أيضاً أن تحدّث مؤسساتها السياسية العاجزة وغير الفاعلة. وفوق ذلك كله، عليها أن تتبنّى إجراءات تجعل النظام السياسي يبدو قادراً على الاستقرار، بما في ذلك القدرة على تغيير القيادات سلمياً وبطريقة ديمقراطية.
في عالم اليوم، تضطر الولايات المتحدة والقوى العالمية الكبرى، إلى التنافس على جمع شركاء محتملين من أجل تشكيل تحالفات دولية. ولكي تدعم مكانتها الدولية، فإن على روسيا أن تبدو شريكاً أكثر جاذبية لجيرانها، وأن تكسب ثقتهم. تعامل روسيا مع جيرانها على أنهم «الأشقاء الصغار» الذين يجب أن يخضعوا لها بشكل أو بآخر، لا يحقق إلا نتائج عكسية، ويدفع تلك الدول إلى التحالف مع الغرب.
ولكي تكون شريكاً جذاباً، يجب أن تطور روسيا سياسة خارجية وداخلية متناسقة ومأمونة، وأن تتوافر لديها مؤسسات سياسية ديمقراطية، وأن تتخلى عن طموحاتها الإمبريالية. ففي غياب مثل هذه المؤسسات، لا يمكن التنبؤ بسياسة روسيا.
إن استخدام سياسة العصا والجزرة، يمكن أن يسهل على روسيا إجبار تلك الدول، من وقت لآخر، على إبداء التأييد لموقفها وعلى توقيع اتفاقات مختلفة. ولكن على المدى البعيد فإن هذه التحالفات لن تكون فعالة. الإبقاء على النظام السياسي الحالي المختلط في روسيا، يجعل مصيرها الحتمي هو العزلة وفقدان النفوذ على الساحة العالمية.
صحيفة «موسكو تايمز» الروسية