تحتاج الشعوب والأمم بين فترة وأخرى، إلى مشاريع نهضوية تنتشلها من حالة الركود أو السبات التي تمر بها، خاصة عندما تحيط بها المحن والأزمات من كل جانب ويأخذ خطها البياني في النزول، فتجد نفسها في مؤخرة الترتيب، تحتاج إلى من يستنهض هممها ويعيد وضعها على المسار الصحيح. حدث هذا مع الأمم كافة دون استثناء، فليست هناك أمة عبر التاريخ حافظت على خط صعودها دون نكوص وانتكاسات ومراحل ضعف نالت من قوتها وهيبتها، وأخّرت مسيرتها الحضارية قرونا من الزمن في بعض الأحيان.

وأمتنا ليست استثناءً بين الأمم والشعوب، بل لعلها من أكثر الأمم تعرضا للصعود والهبوط عبر مراحل تاريخها المختلفة. وقد هيأ الله لها عبر هذه المراحل أيضا مَن تبني مشاريع حضارية أحدثت نقلة كبيرة في تقدمها ورقيها، مثلما رأينا في عهد الخليفة العباسي المأمون الذي كان عهده غنيا بالعلماء الكبار في كل فروع المعرفة، من أمثال الشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة والفراء.

وغيرهم من كبار العلماء، فقد كان المأمون محبا للعلم والعلماء، يروي الأحاديث ويهتم بالفلسفة، ويشجع العلماء والأدباء. وقد دفعه حبه للعلم والعلماء لإرسال البعوث إلى القسطنطينية واليونان والهند وأنطاكية وغيرها من المدن، للبحث عن المؤلفات وترجمتها من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية، وكان يعمد إلى إحضار العلماء غير العرب للاستفادة من علمهم وخبرتهم، حتى أصبحت بغداد في عصره منارة للعلم.

وقد بلغ نشاط (بيت الحكمة) الذي أنشأه الخليفة أبو جعفر المنصور ذروته في عهد المأمون، حيث كان يشرف عليه بنفسه ويختار له من بين العلماء المتمكنين من اللغات، واستقدم له من قبرص خزانة كتب الروم، وقد ظل «بيت الحكمة» منارة للعلم والإشعاع حتى اجتاح المغول بغداد عام 1258 وقاموا بتدمير معظم محتوياته في ذلك الوقت.

ولم يخل العصر الحديث من مشاريع نهضوية تبناها مصلحون من أمثال جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، رغم أن مشروعهما النهضوي لم ينجح لأنه جاء في مرحلة تاريخية اختلط فيها الحابل بالنابل، وتعرض كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده للمجابهة والنفي من قبل الحكام في تلك الفترة والإنجليز، على حد سواء.

في الندوة التي أقيمت في مجلس الدكتور سعيد عبد الله سلمان الرئيس الأعلى لشبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، في شهر رمضان المبارك، تحت عنوان «أثر المعلومات والإعلام في صنع القرار»، طرح الدكتور سعيد سلمان مشروعا نهضويا يستحق الاهتمام والتشجيع وأخذه على محمل الجد، لأنه لا يقل أهمية عن المشاريع النهضوية التي طُرِحت قبل ذلك، ما وجد طريقه إلى التنفيذ منها وما تعثر لأسباب تتعلق بطبيعة المرحلة التي طُرِح فيها أو طبيعة المشروع نفسه.

يتلخص مشروع الدكتور سعيد سلمان في إتاحة الفرصة لألف شخص يتم تشخيصهم للتعرف على قدراتهم، ثم تدريبهم ليصبحوا بدورهم مدربين لآخرين، وذلك لإعداد كوادر مؤهلة تسهم في إعداد وتجهيز المعلومة لصناع القرار وتقييم رجع الصدى.

هذه المبادرة يمكن أن تنجح، شريطة توفر القوة والمال من صانع قرار له رؤية، وفق ما يعتقد صاحب المشروع، حيث سيحدث هذا الجيل خلال عقد من الزمن انتفاضة غير محظورة، لافتا إلى استعداد جامعة عجمان للتلاقح مع من لديه أفكار تكاملية منهجية ليكون معهم في قاطرة واحدة.

هذا المشروع النهضوي الذي يطرحه ويتبناه الدكتور سعيد سلمان، يقوم على تقدير قيمة المعلومة وأهميتها في صنع القرار، وهي أهمية تكتسب حجمها ومصداقيتها من خلال الأحداث التي شهدها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الذي يمكن أن نطلق عليه «قرن المعلومات» بامتياز، خاصة بعد هذا السيل المتدفق من المعلومات التي لم تعد حكرا على الحكومات ومراكز صنع القرار وأجهزة المخابرات فقط.

وإنما غدت متاحة للجمهور العادي الذي أصبح بإمكانه الاطلاع عليها دون قيود، مثلما يفعل موقع «ويكيليكس» الذي يمكِّن موظفي الهيئات الحكومية والشركات من نشر وثائق سرية وكشف أسرار مؤسساتهم، مع بقاء هوية هؤلاء الموظفين طي الكتمان، وذلك بهدف فضح الفساد في تلك المؤسسات عادة.

ولا يخفى مستوى الإحراج الذي سببته الوثائق التي نشرت على الموقع عن حرب أفغانستان، والمقاطع التي صُوِّرت في العراق لطائرة هليكوبتر أميركية تشن هجوما متعمدا عام 2007، أسفر عن مقتل 12 شخصا بينهم صحفيان من وكالة «رويترز».

وإذا كان فرد واحد مثل الاسترالي «جوليان أسانغ» الذي يقول إنه لا يملك بيتا ويقيم عند أصدقائه حول العالم، استطاع أن يؤسس موقعا إلكترونيا مثل «ويكيليكس» الذي أصبح يضم 800 متطوع و10 آلاف مؤيد، وعددا لا يحصى من المتابعين لموقعه، فلا شك أننا كأمة قادرون على دعم مشروع نهضوي كالذي قدمه الدكتور سعيد سلمان خلال تلك الندوة، خاصة .

وأن شبكة عجمان للعلوم والتكنولوجيا قد بدأت فعلا تنفيذ المشروع وقطعت فيه شوطا، ولم يعد مجرد مشروع على الورق، مثلما هو «المشروع النهضوي العربي« الذي أعده «مركز دراسات الوحدة العربية» عام 2001.

وما زال حتى اليوم ملفا في أدراج المركز ومادة في أرشيف مجلة «المستقبل العربي»، يعود إليه الكتّاب والمفكرون والحالمون بعصر جديد، كلما عنّ لهم أن يهربوا من الواقع إلى الحلم.

صحيح أن القرار في عالمنا العربي ما زال فرديا، وصحيح أن المسافة بين الواقع والحلم تبدو واسعة جدا، لكن هذا كله لا يجعلنا ننكفئ على أنفسنا، فما زال ثمة أمل طالما أننا قادرون على إشعال قبس يبدد الظلمة التي تغمر نفوسنا أكثر مما تمنع الرؤية عن عيوننا، فأنْ تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة، كما يقول المثل الصيني المعروف.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com