الأيام القلائل الماضية أعطت مؤشرات واضحة على استقرار مفاهيم تسعى جهات متطرفة معزولة من مختلف الديانات والقوميات لزعزعتها وهي مفاهيم التقارب بين الحضارات وتعزيز الشعور العام بحسن الفهم لدى الغالبية العظمى من شعوب العالم لمفهوم التعايش السلمي واحترام الآخر وتعميق أركان التفاهم والحوار وحل مختلف الصراعات الناشبة في زوايا العالم بالوسائل السلمية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط .
أوضح المؤشرات جاءت في خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما ، خلال مشاركته في إحياء ذكرى ضحايا حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في مقر البنتاجون بواشنطن أمس حيث استنكر أوباما محاولات البعض (من أمثال قس كنيسة الحمامة المعزول في فلوريدا والذي يتبع كنيسته خمسون شخصا فقط) تقسيم الناس على قاعدة الاختلاف ودعا إلى التضامن وألا يترك الأميركيون الخوف يتحكم فيهم، مؤكدا بشجاعة ووضوح لا لبس فيه : ليس الاسلام هو الذي هاجمنا .. إنما هي القاعدة .
وهو مسعى محمود من الرئيس الأميركي لعزل المفاهيم المضللة ومروجيها في أوساط الشعب الأميركي ،ابتغاء مطامع سياسية وانتخابية ويتحمل أوباما شخصيا الكثير من العنت من هؤلاء المتطرفين الذين يتهمونه بأنه مسلم متخف في إهاب مسيحي ذلك لمجرد أن الرئيس الأميركي يحاول ترسية مفاهيم متوازنة تختلف عن تلك التي أرساها المحافظون الجدد في ظل إدارة بوش الابن ،والذين يسعون إلى العودة الى البيت الأبيض بوسائل غير شريفة إحداها تشويه صورة الرئيس الأميركي الحالي ونعته بالضعف والتراجع عن حماية الأمن القومي الأميركي ويصفونه بـ رئيس الدورة الواحدة في تلميح إلى أنه قد يخسر الانتخابات القادمة ولا يجدد لفترة رئاسة ثانية .
ويثمن العديد من الدوائر السياسية والشعبية في العالم موقف الرئيس الأميركي المتوازن لكن الأمر مازال يتطلب ترجمة هذه المفاهيم النظرية إلى واقع عملي يلجم وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة والموالين لإسرائيل على وجه الخصوص ويجعلها تكف عن بث روح العداء بين بني البشر وتصوير الإسلام على أنه دين عنف حتى تتوارى خلف هذه الافتراءات نشاطات التطرف في كل من إسرائيل والولايات المتحدة .
كما أن من دواعي الهجوم على أوباما أيضا موقفه المتوازن من عملية سلام الشرق الأوسط والحاحه في الطلب من اسرائيل وقف الاستيطان تمهيدا لإنجاح عملية السلام وبالأمس دعا اوباما رئيس وزراء اسرائيل إلى تمديد قرار وقف الاستيطان لإعطاء الفرصة لنجاح المفاوضات المباشرة الجارية حاليا بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي برعاية أميركية .
ويتحتم في ظل هذا المناخ الذي يسود الولايات المتحدة بمناسبة ذكرى الحادي عشر من سبتمبر 2001 التأكيد مجددا بأن المأساة التي وقعت في ذلك اليوم يتحمل مسؤوليتها متطرفون منبوذون من مجتمعاتهم وليسوا معبرين عن الإسلام أو عن عامة المسلمين بل هم مدعومون من جهات تناصب المسلمين العداء .
ومن ثم كان أوباما على حق حين أكد أن عدو الولايات المتحدة الأول هو القاعدة وليس الإسلام وموجة الرفض العالمي التي تكثفت امس وامس الأول ضد التصرف الأخرق الذي هدد به راعي كنيسة الحمامة ثم تراجع عنه أمام هذه الضغوط المكثفة كلها دليل على صحة وسلامة المفاهيم السائدة حول ضرورة احترام كافة العقائد والقيم الراسخة لدى بني البشر وتعزيز أواصر المودة والتفاهم ،استرشادا بتصريحات وتأكيدات عقلاء العالم حتى تتقلص وتتوارى تلك النزعات المتطرفة التي أصيبت بقصور كبير في النظر أفقد أصحابها القدرة على الفهم الموضوعي لضرورات العيش المشترك في ظل احترام متبادل لمنظومات القيم والمصالح التي يأتلف حولها كل شعب من شعوب العالم المعاصر ونأمل ألا تتعرض هذه المفاهيم التي عبرت عن نفسها في الأيام الماضية لهزات جديدة بمجئ متطرفين جدد إلى سدة الحكم في الدول ذات النفوذ الدولي .
