منذ مولدها ودولة الإمارات تبذل جهودا توعوية حثيثة لمواجهة الكثير من التحديات المجتمعية التي تواجهها. وخلال السنوات الماضية لم تول المؤسسات الرسمية جهدا في بذل المال أو الجهد في وضع الاستراتيجيات والدراسات والخطط الجادة لإيجاد الحلول الناجعة للكثير من القضايا المجتمعية التي تعد تحديا حقيقيا للمجتمع والدولة.
فقد قامت الإمارات بحملات توعوية جادة من أجل توعية الفرد بقضايا البيئة والآفات المجتمعية المختلفة وبعض السلوكيات الضارة وقضايا الصحة العامة والقوانين المتعلقة بالمرور وغيرها من القضايا التي زالت حتى اليوم تمثل تحديا حقيقيا للدولة لأنها وببساطة تشكل هدرا ماليا وبشريا مستمرا ما لم تتوقف. وتكمن توعية الفرد بهذه القضايا أحد أهم الوسائل لمواجهة تلك القضايا بل وفي استئصالها من أجل خلق مجتمع آمن وسليم وصحي.
وقد ساهمت بعض من حملات التوعية في اختفاء الكثير من السلوكيات والقضايا المجتمعية ولكن هناك مشاكل يدل استمرارية وجودها بل وتزايد نسبها عن النسب العالمية إما على فشل حملات التوعية وأما في عدم وصول الرسالة الصحيحة إلى الفرد.
فشل جهود التوعية أو عدم قدرتها على إيصال رسالتها تستحق منا وقفة حتى نتمكن من إلقاء الضوء على بعضا من تلك المشاكل وعلى أسباب تفاقمها. يمكن ايجاز القضايا الرئيسة في أربع وهي كالتالي: الأولى: هي استمرار الهدر في الموارد البيئية كالماء والكهرباء والثانية :هي سوء استخدام الطرق وبالتالي استمرار بل زيادة نسب الهدر البشرى على طرقاتنا وشوارعنا، والقضية الثالثة:
هي استمرار تصاعد نسب المخالفين لقوانين الهجرة والإقامة، والقضية الرابعة :متعلقة بالوعي الصحي لأفراد المجتمع وتزايد نسب بعض الأمراض المتعلقة بالوعي الصحي كالسكري وضغط الدم إلى نسب قياسية تنبئ بمجتمع غير سليم وبتكاليف باهظة من أجل مكافحة هذه الآفات.
هذه القضايا الأربع هي تحديات مجتمعية وهي جميعها متعلقة بأمن المجتمع وسلامة أسسه وبنيانه، وهي أيضا متعلقة بمدى وعي الفرد والتزامه المجتمعي ونمط حياته، وتغييرها ليس من المستحيلات إلا إذا اعتقدنا نحن ذلك. فالقضاء عليها يتطلب فقط تكاتف جهود المؤسسات الرسمية مع الجهود الفردية.
القضية الأولي متعلقة بالوعي البيئي. فزيادة الهدر في الموارد في تزايد كبير. فاستهلاك الفرد من الكهرباء والماء في تزايد على الرغم من كل حملات التوعية، فالدعوة إلى ترشيد استهلاك الكهرباء لم تقودنا حتى الآن إلى الهدف الرئيس وهو ترشيد تلك الموارد.
فالإحصائيات تقول ان استهلاك الفرد للمياه في دولة الإمارات يعد من المعدلات العالية دوليا على الرغم من شح مصادر المياه في منطقتنا ككل وهو الأمر الذي يحمل الدولة تكاليف ضخمة من أجل تحلية المياه.
وعلى الرغم من كل حملات التوعية إلا أن الدولة غير قادرة فعليا على إيقاف الهدر الكبير في مصادر الطاقة والمياه أو التقليل من النفايات على الرغم من حملات التوعية المستمرة.
إن العالم كله ينظر بعمق إلى موضوع حماية البيئة وبالتالي تبذل الدولة جهودا حثيثة في هذا المجال ولكن ما زالت الجهود الفردية في سبيل جعل تلك الحملات التوعوية ذات معنى دون مستوى التجاوب المطلوب.
القضية الثانية هي سوء استخدام الطرق الأمر الذي يؤدي إلى الكثير من الحوادث والوفيات التي تحصد سنويا أرواح المئات وتستنزف كذلك الكثير من المال والجهد. وعلى الرغم من جهود الدولة في وضع بنية تحتية تعتبر الأرقى في العالم من طرق وشوارع وسن قوانين تنظم السير إلا أن عدم وجود الوعي الكافي يؤدي إلى سوء استخدام تلك الموارد.
فالسرعة الزائدة على طرقاتنا والأخطاء الفردية وعدم التقدير الجيد للعواقب والإهمال والتراخي في اتباع أساليب المرور وقوانينه هي السبب المباشر للهدر البشري على طرقاتنا والتي تكون نتيجتها هي هلاك أعداد كبيرة من الشباب سنويا في حوادث يمكن بسهولة تجنبها لو أننا راعينا القوانين وطبقنا كل أسس السلامة.
ولا نستطيع أن نلوم حملات التوعية التي لم تول جهدا في توعية الفرد في خطر السرعة على الطرقات أو الإهمال والتراخي في اتخاذ كل أساليب الحيطة والحذر إلا أن تلك الحملات ما زالت عاجزة عن إيصال رسالتها.
القضية الثالثة هي قضية استمرار مخالفة قوانين الهجرة والإقامة. فقد دلت الإحصائيات على أن هناك ارتفاعا بنسبة 80% في نسب مخالفة قوانين الهجرة والإقامة في الآونة الأخيرة. وهذه القضية ليست بالجديدة فهي تتذبذب صعودا وهبوطا ولكن بنسب بسيطة ولكنها لم تختف أبدا طوال السنوات السابقة على الرغم من كل الحملات التوعوية الرسمية.
استمرارية هذه القضية غير متعلق فقط بالجهود والحملات الرسمية ومراقبة المنافذ فقط ولكن بوعي الفرد في داخل المجتمع وفي تعامل المنشآت والفرد مع المخالف على الرغم من كل حملات التوعية والقوانين الصارمة المفروضة على كل من يشغل مخالفا لقوانين الهجرة والإقامة.
استمرارية هذه القضية تدل على أن الوعي المجتمعي في هذا الشأن لا زال دون المستوى المطلوب وأن هناك غيابا في التعاون بين الجهات الرسمية والأفراد من أجل القضاء على هذه الظاهرة خاصة وأن استمراريتها تعرض أمن المجتمع كله للخطر وفقدان الأمن والآمان.
القضية الرابعة على الرغم من تعلقها بسلوكيات الأفراد وأنماط حياتهم إلا أنها تنعكس سلبا على المجتمع ككل وتتسبب في هدر مالي وبشري كبير. فبناء مجتمع صحي وأفراد أصحاء هو ما يسعى له كل مجتمع ولكن غياب الوعي الصحي وتغير أنماط الحياة وقلة الحركة وعدم ممارسة النشاط البدني أسباب جميعها أدت إلى أن تتبوء دولتنا المركز الثاني عالميا في نسب بعض أمراض العصر كالسكري مثلا.
وعلى الرغم من كل الجهود الرسمية وحملات التوعية التي تكلف سنويا ملايين الدراهم إلا أنه كما يبدو تقف تلك الحملات عاجزة عن إيصال رسالتها الرئيسة. فما لم يكن هناك تكاتف مجتمعي من أجل القضاء على تلك الآفة التي تنخر في جسم المجتمع وتتسبب في هدر مالي وبشري كبير لن تنجح أي حملة توعوية.
استمرارية قضايا كهذه على مر السنين تقف عائقا دون وصول مجتمعنا إلى مستويات السلامة والأمن الدوليين وتثبت أن حملات التوعية ما زالت غير قادرة على إيصال رسالتها. أن حملات التوعية هي علاقة بين طرفين: المؤسسة الرسمية والفئة المستهدفة وبدون جهد جبار من الطرف الأول وتعاون تام من الطرف الثاني لن تنجح تلك الحملات في رسالتها.
جامعة الإمارات
