تتيح النهاية الرسمية للعمليات القتالية الأميركية في العراق فرصة مناسبة لتقييم ما تم انجازه منذ الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين.

يعد الأمن، وبلا شك، أحد أكبر الانجازات، على الرغم من سقوط نحو 100 ألف قتيل عراقي. لقد انهزم العنف الطائفي، كما تم تقويض نشاط المتمردين، الذين لم يعودوا قادرين إلا على شن هجمات متقطعة، في شمال البلاد، في الموصل وديالى.

المؤسف حقا هو أن التغطيات والتحليلات غالبا ما تكون غير مستندة إلى معلومات دقيقة، وتتم من منظور بغداد. وقد كانت العاصمة العراقية بوصفها عصب البلاد، الهدف الرئيسي للهجمات الإرهابية. وقد شهدت نحو 50 % من أحداث العنف في الأسبوع الماضي، حيث قتل 19 شخصا على الأقل، وأصيب 70 آخرون في هجمات عدة. غير أن الحياة تمتد أيضا خارج بغداد، وتبدو أكثر وردية.

في المحافظات الجنوبية، يواصل الوضع الأمني تحسنه، برغم الهجوم الذي وقع في البصرة الشهر الماضي. والاستقرار النسبي الحادث في الجنوب تكمله زيادة في الاستثمارات. الشركات الأجنبية تتغلغل في القطاعات غير النفطية في الجنوب الآن، والتي كان يسيطر عليها في الغالب مستثمرون إيرانيون. في النجف،وعلى سبيل المثال، بدأت شركة بريطانية الاستثمار في أول نشاط من نوعه لشركة بريطانية منذ العام 2003. ومن المتوقع أن يتبعها المزيد.

يحتاج العراقيون بالطبع، إلى الخدمات الأساسية والوظائف، التي يندر وجودها، في الوقت الراهن، للأسف. وفي المتوسط يحصل العراقيون على ما يزيد قليلا عن 4 ساعات فقط من الإضاءة يوميا، ومعدل البطالة ارتفع إلى 60%.

ومن المؤكد حدوث بعض التحسن في الوضع بزيادة الأمن والاستثمارات. ورغم ذلك، يعاني العراق من انعدام الكفاءة والبيروقراطية والفساد. ويبدو أن هذه المشكلات لن تختفي قريبا، حيث أن الساحة السياسية لا يتوقع لها أن يعاد إصلاحها بالكامل في المستقبل المنظور.

التغيير السياسي يجب أن يبدأ بإنهاء الرغبة غير الضرورية المتمثلة في تشكيل حكومة شاملة لكل العرقيات والطوائف. وهذا يشكل، بمعنى آخر، حالة من الشلل، حيث تعمل التكتلات المنتخبة ديمقراطيا لتحقيق مصالحها الخاصة، ومصالح بعضها مع البعض، بدلا من تحقيق المصلحة العامة.

إضافة إلى ذلك، فان الخلافات المحتدمة القائمة حول الأرض والنفط، ستواصل إعاقة التوصل إلى قرار. ولا يتوقع أن تحل الخلافات بشأن الأرض في السنوات الخمس المقبلة.

كما أن العراق يبدو ضحية نجاحاته أيضا. فالديمقراطية العراقية شرعية، وعادلة، وتعطي سلطة للعراقيين. وبرغم كل الانتقادات الموجهة إلى الفشل في تشكيل الحكومة منذ انتخابات مارس الماضي، فان ما يخفى على الكثيرين هو أن هذا الجمود هو نتيجة أصيلة لعملية الديمقراطية، التي وضعت مجموعتين متقاربتين في ما يشبه صراع الديوك.

إقليميا، فقد ملك العراق زمام أمره.

فديمقراطيته، وثروته النفطية، وتاريخه العريق أمور تقلق جيرانه. والعراق لم يستسلم لمحاولات زعزعة استقراره.

ولم يعد بمقدور قوى إقليمية أن تملي إرادتها على الأقليات في العراق التي تفككت، وبدأت بالابتعاد عن تلك القوى الإقليمية.

عراق اليوم يجب أن ينظر إليه على أنه عراق الشعب. لم يعد عراق صدام حسين، وقريبا لن يكون عراق أميركا. أخطاء ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق كانت مكلفة لكنها لم تكن قاتلة. العراقيون هم الذين سيحددون الآن مستقبلهم ويقررون وجهتهم. وهذا ما يجب أن يحتفى به.

صحيفة «غارديان» البريطانية