.. دعاء يدعو به الجميع للجميع في كل أعيادنا.. ونزيد عليه قائلين: كل عام وأنتم مع الحق ناصرين ومنتصرين.. فالحق هو الكمال والخير هو الجمال النابع من الله جل في علاه، مصدر كل حق وكل عدل وكل خير للإنسانية كلها.

ولأن الحياة بغير حق وبغير عدل بين الناس هي حياة بدون خير وبدون جمال، فلم يخطئوا حين قالوا.. «الله جميل يحب الجمال»، غير أن الجمال الإلهي غير الجمال البشرى، إنه الجمال المطلق والجلال الأعظم الذي هو قمة كمال وجلال الجمال أو قمة جمال وجلال الكمال.

وإذ تمثل قيم الحق والخير والجمال غاية الفكر والعمل والإبداع الإنساني النبيل، فإن قواعد «التوازن» و«الانسجام»، أي العدل الإلهي والترابط الإنساني هي التي تشكل الأساس لقيم الحق والخير والجمال.

نعرف إلا وجود للحق المطلق في هذا الكون سوى الله جل وعلا، لأن الحق اسم من أسمائه، ومن هذا النبع السامي وجدت كل الحقوق ، ومن بينها حقوق الإنسان ، ولكن في المقابل نبعت واجبات الإنسان التي قد ينساها الإنسان تجاه أخيه لإنسان، وربما نعرف منظمات لحقوق الإنسان لكننا نادرا ما نسمع عن منظمات لواجبات الإنسان، ولو أدى كل إنسان واجبه بحق لما بقي لإنسان حق ضائع يطالب به!

ونعرف أيضاً أن لا وجود للحقيقة المطلقة إلا عند الله، لأن الله هو الحقيقة العظمى، وإذ تمثل الحقيقة غاية الفلسفة والإعلام والعلوم الإنسانية، فما هي إلا اشتقاق من الحق، وبينما يقف الباطل في مواجهة الحق، يقف الكذب في مقابل الحقيقة، وما الصراع الإنساني على امتداد العالم كله إلا صراع بين الحق والباطل وبين الحقيقة والكذب.

لكن الحق هو الذي ينتصر في النهاية، والحقيقة هي التي تعلو في النهاية لأن الله الحق وعد من ينتصرون للحق في مواجهة الباطل بالنصر، وبشر بإظهار الحقيقة وكشف الزيف للذين آلوا على أنفسهم البحث عنها بصدق والانتصار لها بجد.

وحينما يضيع الحق بين الناس، بعدوان القوة وطغيان الثروة من جانب الدول الكبرى الأقوى على الدول الصغرى الأضعف، وبازدياد معدلات الفقر في نصف الكرة الجنوبي وبزيادة معدلات الثروة في نصفها الشمالي، وحيث يزداد الأقوياء بشن الحروب لنهب المزيد من الثروات وكسر إرادات الشعوب حماقة وجنونا!!

وحين تضيع الحقيقة وينقلب الحق إلى باطل، وتختلط الأوراق، وتضيع الرؤية الواضحة للوقائع والحقائق، وتتبدل القيم، وينقلب المنكر معروفا، والمعروف منكرا، يصبح العقل جنوناً والصدق حماقة، والخير سذاجة والقبح جمالاً!!

إن رسالات السماء للإنسانية كلها هي أبلغ دعوة للحق، وأعظم دعوة للخير، وأرقى دعوة للجمال، فهي دعوة إلهية للإنسان لأن يصنع الخير لنفسه ولغيره، ويدرأ الشر عن نفسه وعن غيره أيضا.

و إذا كان الخير عطاء لا أنانية، وإيثار لا استئثار، ومحبة لا كراهية، وعدالة لا مظالم، وعمار لا دمار، ونماء لا إفقار، ومشاركة إنسانية وسياسية في الثروة وفي القرار.. فإنه في النهاية يعنى عدم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وحب الإنسان لأخيه الإنسان، ومشاركة الإنسان لأخيه الإنسان ماديا ومعنوياً، وفى الضراء قبل السراء.

وإذا كان الجمال كمال في الجوهر وبهاء في المنظر، فلا يوجد شكل جميل بلا مضمون جميل ، ولأن الجمال توازن وانسجام فلا جمال بلا توازن ، ولا جمال بلا انسجام، فاللوحة التشكيلية الجميلة مثلا لا تخلو من توازن بين الكتلة والكتلة أو بين الكتلة والفراغ، أو بين الفراغ والفراغ..كما لا تخلو بكتلها وفراغها من التوازن بين اللون الساخن والبارد.

«السيميتريا» أي التوازن ضرورة فنية وإنسانية، ولكن كي يكتمل جمال العمل الفني فلا يكفي التوازن فقط بل لا بد من الانسجام بين الأشكال وبين الألوان، وبين الشكل والمضمون.

هذا التوازن تسمعه في «السوناتا» الموسيقية بتتابع إيقاعات «البوينت» و«الكونترابوينت» أي النقطة الصوتية، وعكسها أو ترديداتها فلا بد لكل صوت أو نغمة، من صوت أو نغمة أو حتى عدة نغمات منوعة ترد عليها.. ولكن بانسجام حتى يكون اللحن جميلاً.

لكن هذا الانسجام وهو «الهارموني» في الموسيقى يقوم على قاعدة «الائتلاف الموسيقي» بين الأصوات المختلفة، هو أساس أحلى «السيمفونيات» طبقاً للنوتة الواحدة، فالقاعدة الذهبية في الموسيقى تقول «لا ائتلاف بغير اختلاف».

ولعل السياسيين والمثقفين والعلماء والمفكرين يستلهمون بضميرهم الإنساني من الدين مبادئ الحق والعدل، ومن الفن قواعد التوازن والانسجام حتى تشرق على الدنيا كلها شموس الحق والخير والجمال.. ولأن الخير، كما بشرنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، باقٍ في أمتنا إلى يوم القيامة.. فكل عام وأنتم بخير.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com