غير مفهوم الموقف الأميركي حيال السودان، وتحديداً جنوبه الساعي نحو الانفصال، فالملاحظ أن هناك دعماً قوياً لهذا التحرك الذي يهدد وحدة هذا البلد العربي الإفريقي الكبير، ولكن التصريحات الأخيرة لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون التي حذرت فيها من «قنبلة موقوتة» محتملة في السودان قبل استفتاء الانفصال في يناير المقبل لا تخرج عن كونها صباً للزيت على النار الموقدة.
كلينتون كشفت عن تكثيف واشنطن جهودها الدبلوماسية لحل القضايا العالقة بين شمال السودان والجنوب، بما في ذلك كيفية تقسيم عائدات النفط، وهذا مربط الفرس في الملف المتفجر.. والرئيس باراك أوباما ينوي المشاركة شخصياً في جلسة لمجلس الأمن بعد أسبوعين عن السودان.. والمبعوث الخاص سكوت غريشن يقوم بزيارات مكوكية بين الخرطوم وجوبا وواشنطن.
وهناك المزيد، تعيين الدبلوماسي المخضرم برينستون ليمان للمساعدة على حسم الخلافات بين الشمال والجنوب. لماذا كل ذلك؟ ولماذا لا تسعى الإدارة الأميركية إلى دعم بقاع أخرى من العالم تريد الانفصال أو التحرر؟ ولماذا لا تنهي احتلالها لأفغانستان وللعراق. الجواب، يكمن في النفط الذي يتهادى في باطن أرض الجنوب السوداني؟ حيث توجد معظم حقول النفط السودانية التي تدر العائدات.
ومن هذا الجواب ـ السر يمكن فهم هذا الخوف على نجاح استفتاء الجنوب، وإصرارها على إيصاله إلى النتيجة المرسومة، حتى لو تطلب الأمر إحالة الأمر إلى مجلس الأمن.. ومن هنا يأتي الضغط على الخرطوم لتوفير كل وسائل «الراحة» و«النجاح» لهذا الانفصال. أمر غريب في السياسة الدولية، أن تضغط دولة كبرى على دولة ما لتسهيل انفصال إحدى بقاعها.
الأميركيون يدركون أن الانفصال غير المتفق عليه يعني الدخول في حرب أهلية طاحنة، لذا بدأت بالتحضير عبر صفقات تسلح كبرى للجنوب، وتقديم دورات تدريبية لميليشياته.
ومقابل هذا التجييش لتفتيت البلد، تستخدم أميركا العصا والجزرة في التعامل مع الحكومة المركزية في الخرطوم.. فالعقوبات، والقائمة السوداء وملف دارفور والمحكمة الجنائية الدولية بالمرصاد، في حالة المقاومة.. أما في حالة إبداء الليونة فهناك الانفتاح، والمشاريع، والسعي إلى شطب الديون من جانب المجتمع الدولي، بحكوماته وصندوق النقد والبنك الدولي.
ما يحاك للسودان خطير.. والقلق الأميركي على الاستفتاء يقلق أكثر مما يريح.
