عاد التصعيد من جديد حول احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، وذلك بعد تصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية مايكل مولين التي أكد فيها على خطة محددة لعملية عسكرية يمكن تنفيذها ضد إيران في وقت قريب، والحديث هنا يدور حول عملية أميركية تتولى تنفيذها قوات أميركية، وليس حول ضربة جوية إسرائيلية لمواقع نووية إيرانية كما سمعنا من قبل.

ولا يختلف اثنان في العالم، ولا حتى في واشنطن نفسها على أن عملية من هذا القبيل ستكون كارثة من جميع النواحي، وسينتج عنها فوضى كبيرة، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستوى العالمي.

وتكون الولايات المتحدة نفسها من أكبر المتضررين من وراء هذه العملية التي لن تحقق أي فوائد لأية جهة محددة، ومما لا شك فيه أن إيران تختلف كثيراً جداً عن أفغانستان والعراق، فإيران دولة كبيرة وقوية عسكرياً ولديها جيش نظامي كبير وقوات بحرية وجوية وبرية معدة أفضل إعداد، والدخول في مغامرة متهورة من هذا القبيل دون حساب رد الفعل الإيراني يعد درباً من الجنون.

رغم هذا فإن هناك من لا يستبعد وقوع مثل هذه الكارثة، ويرى بعض الخبراء الروس أن احتمال وقوع حرب كبيرة واسعة النطاق قائم ووارد، خاصة في ظروف الأزمة المالية العالمية، حيث إن هناك في الولايات المتحدة اتجاه يميني محافظ يرى أن أفضل الوسائل لإنعاش الاقتصاد الأميركي هي الحروب والنزاعات، وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن الاقتصاد الأميركي تراجع وتأثر نتيجة عدم الدخول في حروب واقعية.

وأن ما حدث خلال فترة حكم الرئيس بوش الابن، سواء في العراق أو في أفغانستان، لم يكن حرباً بالمعنى الحقيقي المطلوب، بل على العكس كان تضييعاً للوقت استنزف الاقتصاد الأميركي على مدى سبع سنوات دون نتائج إيجابية ملموسة.

وقد حصلت موسكو عام 2007 على معلومات تفيد أن جهات محددة في الولايات المتحدة تضغط بشدة على الرئيس بوش ليقوم بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وأن بوش أعطى أوامره لقادة البنتاجون بالإعداد الفعلي لتوجيه هذه الضربة التي كان محدداً لها شهر نوفمبر عام 2007، وبالفعل تحركت حاملات الطائرات الأميركية من قواعدها في الأطلسي متجهة إلى الخليج العربي، واستشعرت موسكو الخطر.

وقرر فلاديمير بوتين «رئيس روسيا آنذاك» أن يقوم بزيارة مفاجئة هي الأولى من نوعها لرئيس روسي لإيران، وكانت الرسالة واضحة من موسكو لواشنطن بأن روسيا لن تسمح بمغامرة طائشة ضد إيران، وقيل أن واشنطن لم تستطع الحصول على تأييد إقليمي كافي لهذه الضربة، مما اضطرها للتراجع عنها آنذاك.

الآن يعود التصعيد في التصريحات حول احتمالات توجيه الضربة لإيران في وقت قريب، هذا على الرغم من عدم وجود أي مبررات لهذه الضربة الآن بالتحديد، بعد سلسلة العقوبات الجديدة والمشددة التي أقرها مجلس الأمن الدولي مؤخراً على إيران، ولكن تجارب الماضي جميعها تقول ان آخر شيء تفكر فيه واشنطن عند إعلان الحرب هو تقديم المبررات الذي يأتي عادة متأخراً، مثلما حدث في العراق، ومثلما يحدث الآن في أفغانستان التي يسقط فيها يومياً العشرات من الأبرياء المدنيين على يد القوات الأجنبية.

توجيه أي ضربة لإيران، حتى ولو كانت محدودة الأبعاد والتأثيرات، يعني في النهاية أكبر دعم داخلي للنظام الحاكم في إيران، ويتبع ذلك مزيد من التشدد من قبل هذا النظام في التعامل بشأن البرنامج النووي.

حيث لا يتوقع من نظام مثل النظام الإيراني القائم طيلة ثلاثة عقود على أسس الشحن الجماهيري أن يتراجع ويضعف أمام أي ضربة مهما كانت، هذا حتى لو افترضنا أن طهران ستمتص هذه الضربة وتحتويها بدون رد عليها بهدف تفادي التصعيد الذي قد يجلب الدمار.

وهو ما تعول عليه واشنطن وتل أبيب أيضاً، ولكن حتى في مثل هذه الحالة فإن النظام الإيراني سيكون الأقل في الخسائر عن غيره بكثير، على العكس ستلقى الضربة انتقادات عالمية واسعة، بينما سيحظى النظام الإيراني بدعم وتأييد شعبي داخلي كبير.

أي ضربة عسكرية لإيران هي مغامرة طائشة لا تحمد عقباها وتداعياتها الكارثية، والأهم من ذلك أنها لن تحقق أي فوائد أو نتائج إيجابية.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.rua