وصفت المؤرخة «باربرا توتشمان» الأحداث التي قادت إلى الحرب العالمية الأولى بـ «بنادق أغسطس».
وبينما لا يوجد برهان إحصائي على نشوب الحروب في نهاية الصيف أكثر من اندلاعها في أكثر من أي مواسم أخرى، فإن العالم تمزق مرتين خلال القرن العشرين: أحدهما في مطلع أغسطس عام 1914، ثم مرة أخرى في أول سبتمبر 1939، عندما قام النازي الألماني بغزو بولندا. ربما يكون ذلك من تأثيرات حر الصيف، أو الرغبة الملحة في فعل أي شيء قبل حلول برد الشتاء، ولكن بالرغم من ذلك، رأينا أيضاً الكثير من العنف في أواخر الصيف على مدار العقود القليلة الماضية.
قام صدام حسين بغزو الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، ما أدى إلى حملة عسكرية جوية وأرضية قادتها الولايات المتحدة في مطلع العام 1991، والقضاء على الجيش العراقي. وفي الحادي عشر من سبتمبر 2001، دمّر 19 متشرداً برج التجارة العالمي ومبنى البنتاغون، وهي الأحداث التي تعد الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة القارية منذ حرق البريطانيين معظم أرجاء واشنطن العاصمة في 1814. ماذا يمكن أن نتعلم من محن هذه الأيام القائظة؟
أولاً، رغم كل هذه التوترات المتزايدة قبل الحرب، فإن المذبحة العامة التي ستجيء عقب ذلك لم تكن متوقعة غالباً. وكان الخبراء يعتقدون أن أغسطس 1914 سيؤدي فقط إلى حرب تنتهي بحلول أعياد الميلاد، وليس 500 ميل من الخنادق في المسافة من بحر الشمال إلى سويسرا، و8 ملايين قتيل بين أفراد القوات بحلول 1918. وحتى بعد غزو هتلر بولندا في ضربة صاعقة، لم يحلم أحد بسقوط أكثر من 50 مليون قتيل نتيجة الحرب.
ثانياً، عادة ما كانت حمامات الدم هذه التي تحدث خلال أواخر الصيف تأتي نتيجة انطباع مبدئي من قبل المعتدين بأنهم سوف يواجهون عواقب محدودة. وبعد توقيع اتفاقية ميونيخ، لم يكن لدى هتلر مبرر يجعله يعتقد بأن التهام بولندا سوف يقود إلى حرب عالمية، أكثر مما سيفضي إلى المزيد من سياسة المهادنة نفسها.
لم يكن لدى صدام حسين فكرة عن أن الولايات المتحدة كانت ستتعامل مع مسألة النزاع الحدودي البعيد عنها من خلال تجييش تحالف دولي ضده، ومن خلال قصف أجزاء كبيرة من بغداد. وبالمثل، اعتقدت قلة من الناس أنه بعد مرور تسع سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، سوف تستمر القوات الأميركية تحارب في أفغانستان من أجل منع طالبان التي كانت تأوي أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، من الوصول إلى السلطة.
باختصار، فإن الإعلانات البارزة عن النوايا السلمية في مواجهة الاضطرابات الدولية، أو حتى عدم الاكتراث بالعدوان الديكتاتوري، تؤكد أن الحرب ستنشب عقب ذلك.
في نهاية المطاف، فقدت الولايات المتحدة الألوف من جنودها في الحروب اللاحقة وذلك عندما كانت غير مستعدة، وكانت المحصلة أقل من ذلك عندما كانت مستعدة. لم يكن هناك أي وجود عسكري أميركي تقريباً في عام 1914، وكان أكثر قليلاً عندما أعلنت أميركا الحرب على ألمانيا والتحالف المجري النمساوي في عام 1917.
مجدداً، لم تكن أميركا مسلحة في عام 1939، عندما بدأت ألمانيا الحرب الأوروبية، ولم تكن على قدر من الاستعداد الجيد عندما هاجمها اليابانيون في ديسمبر 1941. ونتيجة لذلك، في كلا الحربين العالميتين التي انتصرت فيهما، فقدت الولايات المتحدة عشرات الألوف من قواتها.
وتمكن الجيش الأميركي الذي تم تجهيزه وتعبئته من عناصر من المتطوعين بشكل تام، من إجبار القوات العراقية على الخروج من الكويت بخسائر قليلة نسبياً.
حتى فيما يتعلق بالخوف الراهن في الوصول العراق وأفغانستان - رغم الحسرة بسبب الخسائر البشرية المروعة ؟ قتل عدد أقل من الجنود الأميركيين، مقارنة بمعارك مفردة ماضية مثل «ميوز أرغون» أو «إيو جيما».
باختصار، لم تذهب أميركا إلى الحرب قط وهي تشعر بالأسف على أنها كانت مسلحة أو مستعدة بشكل مفرط. علينا أن نبقي هذا التاريخ المزعج من أيام أواخر الصيف في أذهاننا، خلال أغسطس الحالي. العالم يعاني مجدداً من حرارة الطقس. وكوريا الشمالية النووية مستمرة في تهديداتها لكوريا الجنوبية.
وتسعى تركيا الصاعدة إلى إنشاء نسخة مستحدثة من الإمبراطورية العثمانية القديمة. في الوقت نفسه، لم تفلح الولايات المتحدة في الوصول إلى الزعماء مثيري القلق أمثال الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، بينما تفقد حلفاءها في الهند وإسرائيل وأوروبا.
الأمر المثير للقلق، أنه خلال فترات الركود التي صاحبت العام 1939 وحالات العجز المربكة، تتحدث الولايات المتحدة على نحو مفهوم، عن تخفيضات ضخمة في قواتها العسكرية. الدول لا تخفض الإنفاق العسكري بسبب رغبتها في الاحتفاظ بعدد أقل من القوات، ولكن بسبب اعتقاد الرأي العام على نحو قصير النظر في أن الأموال يفضل بأن تنفق في البرامج الاجتماعية داخلياً.
إن منافسينا الاستفزازيين في الخارج، وتطمينات الرئيس أوباما المتواصلة بأن الولايات المتحدة كانت مخطئة في الماضي وتسعى لمد يدها إلى الأعداء في المستقبل والتخفيضات الدفاعية المحتملة، كل ذلك يجب أن يذكّرنا بأن نتحرى خطواتنا بعناية في أواخر هذا الصيف.
ولسوء الحظ، فإن الوصف الذي أطلقته المؤرخة «توتشمان» بنادق أغسطس يعلمنا أن الحرب ربما تسعى إلى من لا يسعون إليها.
أستاذ في جامعة ستانفورد الأميركية
