لكل أمة حضارتها وتاريخها الذي يسندها للمستقبل وتزدهر لكل حضارة تمر بها ويكون الماضي طريقاً للحاضر والمستقبل، وتبنى الأمم بتقدمها عن التي سبقتها بفضل ما تعلمته وتناقلته عن الأجيال السابقة، وهذا ما يسمى العودة للتاريخ لذا كان لابد من وسيلة للحفاظ على هذه المكتسبات والإنجازات بمختلف الطرق التي تساعد على المحافظة عليها وهي عدة والأدلة والشواهد كثيرة وكلما خرج جيل توصل إلى ما تركه الأجداد بما يتوافر في كل زمان.

قد تتعدد الوسائل التي تضمن سبل المحافظة بعد اختراع آلات الطباعة واستحدثت طرق مختلفة للمواصلات ودخول عصر الثورة المعلوماتية وبروز وسائل الإعلام المختلفة واستطاعت كل أمة أن تبرز حضاراتها وما توصلت إليه لكافة الفئات والأعمار إلا أن ومع تعدد وتنوع وسائل توصيل المعلومة وأخرها ثورة الشبكة العنكبوتية بدأت بعض المأثورات تضيع وتندثر رويداً رويداً دون الشعور بذلك.

كما برزت جهود مبعثره مع الانشغال بأمور الحياة وأحداثها من حروب ودمار واندماج الثقافات وسرعة التنقل بين كافة أقطاب المجتمعات، ودولة الإمارات العربية المتحدة ليست بمنأى عما تعرضت له الدول الأخرى.

ولان منطقة الخليج العربي اعتمدت في حفظ تاريخها على الروايات الشخصية وتناقلها من جيل إلى آخر مع وجود المدونين الذين اختلف مستواهم وعددهم من زمن لأخر، فبالرغم من ازدهار أهل الخليج بحضارتهم البحرية ووصولهم لأغلب قارات العالم بسفن خشبية شراعيه.

وتعدد القبائل التي سكنت الجزيرة العربية وتفرع القبائل الحضرية والبدوية وانتشارها في اغلب الإمارات وعمان، إلا أن هناك نقص شديد في توثيق المنجزات التاريخية، رغم تعدد وسائل الحفظ، والإعلام الإماراتي أحد هذه الوسائل التي وان اخذ دورها في إبراز تاريخ وتراث وعادات وتقاليد أهل المنطقة يظهر وينمو، إلا أنها بقيت جهود فرديه وتكاد تكون مبعثره، ولا ترقى إلى ما نطمح إليه لنا ولأجيال الغد.

لقد اتفق العديد من المهتمين بهذا الجانب إلى ضرورة إنشاء وزاره للتراث والتاريخ تضع كل اهتمامها بما يدور في هذا الإطار، ومازلنا ننتظر تجاوب الجهات مع هذا المطلب الذي انشغل الكثيرون عنه بالتقدم والازدهار في المجالات الأخرى، إلا أن ما يدعونا لتجديد الدعوة وتكثيف الدعوات وتضافر الجهود وإعداد الحملات واستحداث المناسبات لضمان الوصول للمطلوب بأسرع وقت، فقد بدأت الهوية الوطنية بين أجيال المستقبل تتشتت وتضيع دون الشعور بذلك.

وأكيد دون قصد أو تعمد، فنظره على بعض طلبة وطالبات المدارس سواء الحكومية منها أو الخاصة وطرح بعض الأسئلة التي تكاد تكون معروفه، لن نصعق إذا وجدنا الإجابة مبعثره وتكاد تكون اغلبها خاطئة، ولا نلومهم وسط التغريب الذي وضعناهم في إطاره، نحن في خطر ولابد من الحلول السريعة ودور الإعلام هام جداً لهذه المهمة، وبالتعاون مع الجهات المختلفة ووجود أبناء الوطن المسكونين بحبه والمهتمين بتاريخ المنطقة ليحملون هم كيفية تجميع الجهود الفردية عبر وسائل إعلاميه رسميه تدعم من لديه القدرة على طرح المعلومة التاريخية الخالية من اللغط أو التزييف.

ورغم توافر بعض المنشورات التاريخية والتراثية الجيدة والتي تعتمد على مصادر موثقه، ورغم أنها تكافح من أجل الصدور والاستمرار وتحتاج إلى دعم قوي، إلا أنها قدمت إضافات ملحوظة ولو بالقليل، ولكن يجب على أبناء هذا البلد العربي الأصيل بعاداته وتقاليده العربية والإسلامية أن نوحد جهود الإعلام «التاريخي».

ونعزز ما أطلقه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ونائبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظهما الله ورعاهما، من مبادرات في تعزيز التلاحم الوطني والهوية الوطنية لترسيخ هذا المشروع ولنبدأ بالتعريف بتاريخ الدولة وكل إمارة، وهو ما يحتاج إلى وقت وجهود وإمكانيات بشريه وماديه ومعنوية تعزز نجاح هذا المشروع الوطني ولو بعد عشرين عاماً، ولنبدأ بالصغار والكبار كل على حدا سواء مواطن ومقيم.

ولنجعل من ذكريات الماضي الجميل نبراساً لأجيال الغد، وذلك من خلال مدونات ووثائق محفوظة ومتاحة للجميع بشكل علمي حديث، حتى لا يبقى تاريخنا مجرد ذكريات شخصية تتناقلها الألسن، بل نجعله مفخرة لنا مدعوماً بتوثيق تفخر به الأجيال من خلال المكتبات بشتى أنواعها، ويكون متاحاً للجميع إلكترونياً، كما يحدث الآن بكبسة زر لتصل المعلومة إلينا أينما كنا سواء في الأرض أو السماء ونحفظ ثروة الماضي وكنوزه للحاضر والمستقبل، كما سبق أن دعانا لذلك ابن هذا الوطن البار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس وباني دولة الإمارات، الذي رفع الشعار العظيم (من لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل).

كاتبة إماراتية

f_alsari@hotmail.com