أثار مسلسل «الجماعة» كماً هائلاً من اللغط منذ بدء أولى حلقاته مع إطلالة الشهر الكريم. ولا يتعلق هذا اللغط فقط بارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين، ولكن أيضاً بتوقيت عرضه الذي ارتبط بالزخم السياسي في مصر، وما يتعلق بملف التوريث الذي يأتي في صدارة الموضوعات الآن. لقد انقسم هذا اللغط ما بين مؤيد ومعارض للمسلسل، وما بين مؤيد للجماعة ومؤسسها ومعارض لهما.
فالكثير من الآراء المضادة للمسلسل ترى أنه قد افترى على الجماعة وألصق بها العديد من الخطايا من خلال التأكيد على طابعها السياسي وممارساتها العنيفة. كما رأت هذه الآراء أن حلقات المسلسل استباحت شخصية مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا من خلال إلصاق التهم به وإبرازه بشكل متوتر وسلطوي. فالمسلسل لم يكن محايداً بقدر ما كان انتقائياً في عناصره الدرامية التي تعمدت تشويه الجماعة ومؤسسها وتجميل النظام السياسي المصري وهو على أبواب الانتخابات المقبلة.
على الجانب الآخر، يرى المؤيدون للمسلسل أنه كان موضوعياً والتزم الحياد بشكل كبير، وكل ما قدمه تعلق بحقائق تاريخية ارتبطت بممارسات وتوجهات الجماعة ومؤسسها. فالمسلسل لم يفتر على الجماعة كما يدعي مناصروها، بقدر ما قدم صورة مدعومة بالحقائق التاريخية والدراسات والمصادر العديدة الموثوق بها، إلى الحد الذي وصل بمؤلف العمل إلى إيراد قائمة بالمراجع التاريخية التي اعتمد عليها، وإشاراته في المقابلات الصحافية التي أجريت معه حول المسلسل إلى استشارته للعديد من رجال الدين الذين باركوا العمل قبل عرضه.
نحن إذاً أمام تلك المعضلة الأزلية المرتبطة بطبيعة الأعمال الأدبية والفنية التي تختلف حولها الآراء، وخصوصاً إذا تضافر فيها التاريخ بوجهات النظر. وهل هناك تاريخ من دون وجهات نظر وإملاءات مسبقة؟!
وبشكل عام يمكن القول إن الطابع الدرامي للمسلسل حاول النيل من الجماعة ومؤسسها، فطبيعة التركيز والحبكة الدرامية له هدفت منذ البداية إلى تشويه الجماعة وتوجهاتها والحط من شأنها، بما جعل البعض يرى أن المسلسل عبارة عن دليل دعائي لخدمة النظام السياسي في مصر.
وهو أمر ارتبط بجدل آخر يتعلق بحجم التأثير الخاص به جماهيرياً، بما يطرح تساؤلاً يتعلق بقدرة مسلسل «الجماعة» على توجيه الجماهير الوجهة التي يريدها القائمون عليه والقنوات الفضائية والرسمية التي عرضته، بما في ذلك التلفزيون المصري الذي حرص على شراء المسلسل وعرضه في أوقات الذروة.
وينبع تحيز المسلسل من انتقائيته المفرطة منذ أولى حلقاته وحتى آخرها؛ ففي الوقت الذي انتقص فيه بشكل كبير من الجماعة ومؤسسها، فإنه أفرط في مجاملة السلطة، وتخلى عن التناول الموضوعي لها، على الأقل في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعية.
وبينما وازن مؤلف المسلسل في أحد أفلامه السابقة بين الإرهاب والكباب، أو بلغة أوضح بين شيوع الإرهاب والجوانب السياسية والاجتماعية المرتبطة به والمؤدية إليه، فإنه تجاهل في هذا المسلسل التعامل مع الجماعة في ضوء السياقات التاريخية التي ظهرت من خلالها. لقد أفضى هذا التجاهل إلى التعامل مع الجماعة كما لو كانت أصل كل الشرور، وسبب كل التراجعات في مصر.
وهي نظرة بالتأكيد قاصرة من ناحيتين؛ أولاهما الإفراط في تصوير قوة الجماعة وإضفاء طابع أسطوري عليها، وثانيتهما تصوير القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى في حالة ضعف وتخاذل أمام قوة الجماعة، وهي مسألة منافية لواقع الحال، سواء في الماضي أو الحاضر. وهذه مسألة تستفيد منها الجماعة بشكل كبير، من خلال التأكيد على أنها أهم الحركات الدينية السياسية المصرية المعاصرة.
وربما جاء هذا الإفراط من موقف الكاتب المسبق الهادف إلى تشويه الجماعة والوقوف بشكل بالغ الإنتقائية عند مواطن الضعف فيها. من هنا فقد ظهر الإخوان متوترين فاقدي الأعصاب ومضطربين بإجمال، وهي صورة قاصرة تاريخياً وفنياً على السواء.
ولعل ذلك هو ما أدى بالمسلسل إلى إهمال أي تبريرات وتفسيرات حقيقية لنشأة الجماعة وطبيعة السلوكيات السلبية والإيجابية التي قامت بها ومارستها؛ فقد تم التعامل معها كهيئة متعالية لا تتأثر بالأحداث وبالسياق المحيط بها، وهو تعامل جاء على حساب التاريخ والجماليات الفنية.
فـ «الإخوان» مثلها مثل أية جماعة دينية أو سياسية أخرى في عالمنا العربي، تأثرت بالمناخ المحيط الذي لا ينتج سلوكاً سياسياً ديمقراطياً حقيقياً. وإذا نقدنا الإخوان فعلينا أن ننقد كافة تيارات العمل السياسية الأخرى، بما فيها تلك المدافعة عن حقوق الأقليات والمنادية بالمساواة والعدل الاجتماعي.
لا يمكن إنكار التأثير الجماهيري الواسع للمسلسل، لكن الأمر الذي لا شك فيه أن الإيغال في نقد الجماعة والتعرض لمؤسسها سوف يأتي بنتائج عكسية لمصلحة الجماعة ذاتها. وهو أمر يتناقض مع اندفاع أعضائها لمهاجمة المسلسل ومحاولة النيل منه. فقد قدم النظام السياسي دعاية مجانية للإخوان وهو على أعتاب الانتخابات المقبلة في العام 2011، وكما يقول البعض فقد انقلب السحر على الساحر.
وهي مسألة يجب أن يعيها الإخوان، ويقمعوا رغبتهم في الهجوم المجاني، وتوجيه التهم المجانية للآخرين، وبشكل خاص المعارضين لهم وتوجهاتهم. وإلى أن يحدث ذلك سوف يستمر التعامل مع التاريخ بشكل انتقائي حسب الأهواء والمصالح؛ بين تأليه الجماعة، أية جماعة، والحط من شأنها، وهو شأن كل ممارسة سياسية في عالمنا العربي.
كاتب مصري
