بالرغم من ادراك مختلف الظروف والتحديات التي تحيط بالمفاوضات المباشرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين حكومة نتانياهو، سواء قبل بدء المفاوضات أو بعدها ـ وهي ظروف وتحديات تتطلب تعاون وتضافر جهود كل القوى والأطراف المحبة للسلام والراغبة بصدق في تحقيقه في الشرق الأوسط، من اجل تحقيق ذلك، الا انه ليس من المبالغة في شيء القول بأن السلوك الإسرائيلي يمكن أن يلعب دورا حاسما في التمهيد لنجاح المفاوضات وفتح الطريق أمام تقدمها، واما في الدفع بها إلى هاوية الفشل والتعثر بكل ما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج.

واذا كان التركيز على السلوك الإسرائيلي وتأثيره على فرص نجاح المفاوضات من عدمه، لا يعني على اي نحو التقليل من أهمية او تأثير العوامل الأخرى المعرقلة للمفاوضات، إلا ان التأثير الأكبر للسلوك الإسرائيلي يرتبط بالدرجة الأولى بحقيقة ان إسرائيل هي الدولة المعتدية، وهي التي تحتل الأراضي الفلسطينية والعربية التي لا تزال في حوزتها منذ عام 1967، كما انها هي الطرف الذي يريد أن يفرض شروطا على الفلسطينيين، وهي التي تواصل قضم الأراضي الفلسطينية وابتلاعها من خلال عمليات الاستيطان الممنهجة، ولم تتوقف عن ذلك حتى الآن، هذا فضلا عن هشاشة حكومة نتانياهو وإمكانية تعرضها لمشكلات كبيرة خلال الفترة القادمة.

ومع وضع ذلك كله في الاعتبار فان هناك نقطة ذات أهمية كبيرة وهي ان بنيامين نتانياهو رئيس تكتل الليكود ورئيس الحكومة الإسرائيلية، وأكثر رؤساء الحكومة الإسرائيلية تشددا منذ مناحيم بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي توصل إلى اتفاقية سلام مع مصر ، يملك الفرصة الآن – نتانياهو – لأن يتوصل إلى اتفاقية سلام وتسوية مع الجانب الفلسطيني. صحيح ان ليبرمان وزير خارجية إسرائيل من أكثر المسؤولين الإسرائيليين المتشددين، هذا إلى جانب الأحزاب الدينية الإسرائيلية، ولكن الصحيح أيضا هو ان نتانياهو، وعلى أساس ما عرف عنه على امتداد السنوات الماضية.

لا يمكن المزايدة عليه من جانب مسؤولين متطرفين إسرائيليين، سواء داخل حكومته او خارجها. لأنه ببساطة استطاع ان يكسب ثقة وتأييد الشرائح والتيارات الإسرائيلية المتشددة. ومن هنا تحديدا فانه يمكنه ان يقوم بتقديم أية تسوية يتوصل إليها مع الفلسطينيين إلى الشعب الإسرائيلي، كما يمكنه تفنيد آراء معارضيه وهزيمتهم اذا أراد ذلك، او اذا استطاع ضمان أغلبية في الكنيست الإسرائيلي تكفل له استمرار رئاسته للحكومة الإسرائيلية.

في هذا الإطار فانه لم يكن مصادفة ان يتحدث نتانياهو عن ما اسماه بيهودية الدولة الإسرائيلية والقبول الفلسطيني بها، او بالأحرى دولتين لشعبين. واذا كانت هذه الصياغة تظل صياغة ملغومة وتحتاج إلى الكثير من التفسير والتحديد الدقيقين، خاصة من جانب نتانياهو ذاته للمقصود باسرائيل دولة يهودية وإسرائيل دولة للشعب اليهودي ومدى خلافها واتفاقها مع إسرائيل وطن قومي لليهود، وهي أمور يمكن ان تأخذ وقتا طويلا بالتأكيد لأنه ستترتب عليها نتائج كثيرة ومؤثرة ، فانه ليس من المبالغة في شيء القول أن هناك عناصر تهديد إسرائيلية كبيرة يمكنها نسف المفاوضات المباشرة او إجهاض أية نتائج إيجابية للفلسطينيين يمكن ان تترتب عليها.

وفي هذا الإطار فانه يكفي مثلا ان ينشط المستوطنون الإسرائيليون في عمليات البناء والاستيطان، سواء في محيط القدس الشرقية المحتلة، او في أية مناطق في الضفة الغربية، ويكفي أيضا ان يزيد المستوطنون الإسرائيليون تحرشاتهم الهمجية مع الشعب الفلسطيني، او ان تقوم حكومة الاحتلال بشن عدوان على قطاع غزة بدعوى العمل لوقف العمليات التي استهدفت مستوطنين إسرائيليين في الأيام الأخيرة في الضفة الغربية. ولأن هناك جهات إسرائيلية عديدة من خارج حكومة نتانياهو يمكن أن تدفع الأمور في اتجاه هذا النفق، فان السلوك الإسرائيلي، سواء على مستوى الحكومة، او على مستوى القوات الإسرائيلية، او على مستوى جماعات المستوطنين، سيترك تأثيره الكبير على فرص نجاح المفاوضات في الفترة القادمة.