ربما لم يتعرض ميراث الجماعة السوداء في أميركا منذ الستينات للتشويه كما يحدث اليوم. ففي عهد أول رئيس أسود لأميركا ؟ وربما بسبب ذلك ؟ تعرض أعظم رموزهم للتشويه، وواحدة من أهم طرق عبادتهم للهجوم.
ففي الأسبوع الماضي جرت في واشنطن وقائع مظاهرة كان قد دعا لها نجم قناة فوكس نيوز اليمينية جلين بيك لتتم في اليوم والمكان نفسه الذي ألقى فيه مارتن لوثر كنغ زعيم حركة الحقوق المدنية خطابه الشهير الذي تحدث فيه عن حلم العدل والمساواة في بلاده. وهو الخطاب الذي تأثر به الملايين داخل أميركا وخارجها وكان علامة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية ودفعة قوية لحركة الحقوق المدنية التي أنهت عصراً مريراً من الفصل العنصري والاضطهاد والتمييز الذي كان يحدث بقوة القانون.
ورغم أن جلين بيك كان قد أنكر أنه اختار عمداً موعد المظاهرة ليوافق نفس يوم خطاب مارتن لوثر كنغ وأصر على أن الأمر عبارة عن «إلهام من الله»، إلا أن من يتابع برنامج بيك التلفزيوني يعرف أنه كان قد قال أكثر من مرة أن الوقت قد حان لما أسماه «بامتلاكنا» (يقصد اليمين) لحركة الحقوق المدنية، «فنحن الذين ندافع عن الحريات الفردية والمدنية والسود لا يمتلكون مارتن لوثر كنغ ».
لكن لأن اتجاهات بيك وميوله الأيديولوجية فضلاً عن توجهات الرموز الأخرى التي دعاها لتلك المظاهرة يعرفها القاصي والداني، فقد نظمت مجموعة من القيادات السوداء مظاهرة موازية في التوقيت والمكان نفسه احتجاجاً على مظاهرة بيك التي اعتبروها إهانة لمارتن لوثر كنغ ومحاولة للاستيلاء على ميراثه وتشويهه.
والحقيقة أن الرموز السوداء محقة. فبيك هو آخر من يحق له الحديث باسم مارتن لوثر كنغ أو يزعم أن ما يمثله من أفكار هو امتداد للأفكار التي قامت عليها حركة الحقوق المدنية. فبيك معروف بتعليقاته التي لا تخلو من عنصرية. فهو كان قد اضطر مثلاً للاعتذار للأميركيين من أصول آسيوية بعد أن سخر منهم في برنامج إذاعي، وهو الذي قال لنائب الكونجرس الأسود المسلم كيث أليسون «أثبت لي أنك لا تعمل مع أعدائنا»، ثم إنه هو الذي كان قد اتهم أوباما منذ شهور بأنه «عنصري، يكن كرهاً عميقاً للبيض وثقافتهم».
الأهم من هذا كله هو أن ما مثله مارتن لوثر كنغ طوال تاريخه وما آمن به من أفكار هو بالضبط بمثابة النقيض لما روجت له مظاهرة جلين بيك من عداء واضح للعدالة الاجتماعية واحتفاء ملحوظاً بالعسكرة. فالإنفاق على الحدث كان عبر حملة تبرعات لإحدى المنظمات التي تنفق على عائلات الجنود الأميركيين. أما سارة بيلين فقد قدمت نفسها ليس كسياسية كما قالت وانما كأم لجندي في الجيش الأميركي، وهو الجيش الذي وصفته بأنه قوة خير في هذا العالم «لا يجوز الاعتذار عنها».
وقد هاجمت سارة بيلين وغيرها من الرموز التي تحدثت في المظاهرة الأفكار المتعلقة بالعدل الاجتماعي. وحمل خطاب المظاهرة بين ثناياه نبرة لا تخطئها العين تحتفي بوطنية تقوم في جوهرها على فكرة الاستثنائية الأميركية التي لا تجد في الشخصية الأميركية أو الدور الأميركي في الخارج إلا ما يستوجب تهنئة الذات.
كل تلك الأفكار لا علاقة لها بتاتاً بأفكار مارتن لوثر كنغ . فالرجل كان تقدمياً من المؤمنين بمحاربة كل أشكال القهر والظلم السياسي والاجتماعي وكان معارضاً لحرب فيتنام وغيرها من الممارسات الأمبراطورية الأميركية، ثم أنه كان أكثر الزعماء الأميركيين الذين دعوا أميركا لنقد الذات والاعتراف بالأخطاء.
غير أن ما حدث لم يتوقف عند حد السطو على ميراث مارتن لوثر كنغ وإعادة كتابته على نحو مزور. فجلين بيك هو نفسه الذي شن في برنامجه مؤخراً هجوماً كاسحاً على لاهوت التحرير الأسود، الذي يعد واحداً من أهم كنائس السود، بل هي الكنيسة التي انتمى لها معظم زعماء حركة الحقوق المدنية.
الخطير في كل ذلك أن شخصاً مثل جلين بيك يعتنق مثل تلك الأفكار ويعبر عنها صراحة يحظى بشعبية طاغية. فبرنامجه هو الأعلى في نسبة المشاهدة بين كل برامج قناة فوكس، والتي تحظى هي نفسها بنسبة مشاهدة مرتفعة للغاية. وهو استطاع من خلال تلك الشعبية أن يدعو لتظاهرة فاستجاب له ما بين مائة وثلاثمائة ألف من البيض الذين جاؤوا من شتى أنحاء الولايات المتحدة.
جلين بيك في رأيي ظاهرة جديدة قديمة في أميركا فهو أحد رموز اليمين المتطرفين الذين طالما استثمروا قلق البيض الاقتصادي لأغراض سياسية وأيديولوجية. فبدلاً من أن يوجه البيض غضبهم بسبب الأوضاع الاقتصادية للنيو ليبرالية الاقتصادية المسؤولة عن أوجاعهم والتي يعتنقها اليمين، يتم صرف انتباههم عن جوهر المشكلة الأصلية عبر صناعة تهديد آخر. فالمسؤول عن تدهور الوضع الاقتصادي وفق ما يروج له هؤلاء ليس تلك السياسات وانما المختلفون عرقياً أو دينياً.
فهم مرة السود - بمن فيهم أوباما - الذين يمارسون «عنصرية مضادة» تسحب من فرص البيض الاقتصادية، وهم مرة اللاتينيون الذين يأتون بشكل غير قانوني ويحصلون على مزايا اقتصادية من جيب دافع الضرائب، أو هم المسلمون الذين يسعون لغزو أميركا. وتلك في الواقع لعبة طالما استخدمها اليمين. فمنذ نهاية الستينات استخدم الجمهوريون تلك اللعبة من أجل استعداء البيض في ولايات الجنوب على الحزب الديمقراطي - حزب الأقليات.
وكانت تلك الاستراتيجية تستخدم لغة شفرية يفهمها البيض تجنباً لاتهامهم بالعنصرية. الخطير في الأمر هذه المرة ليس فقط أنه صار يحدث علناً وإنما وهو الأهم أنه لا يتعلق فقط بالسعي لتحقيق أغراض انتخابية، وانما يتعلق بمحو الذاكرة الجمعية بشأن واحدة من أهم الحركات الاجتماعية التي غيرت وجه أميركا وألهمت العالم.
