تصريح رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، بأن اتهام سوريا بالوقوف خلف عملية اغتيال والده الراحل رفيق الحريري كان خطأ، ينم عن عقلية رجل سياسة تتسم بالحكمة والاتزان، وهو اكثر الخطوات شجاعة في اتجاه تحسين العلاقات بين البلدين الشقيقين ذوا تاريخ واحد وانتماء قومي واحد، كما أن هذا التصريح الجريء سوف يحبط أولئك الذين خططوا لفصم عرى العلاقة الوثيقة بين لبنان وسوريا، وكانوا يهدفون من وراء مؤامراتهم الى إضعاف البلدين العربيين كليهما.

كما أنه يقرب التحقيق من يوم تحديد الفاعل والمحرض في هذه الجريمة النكراء، ومن ثم فيتعين الجد في أثر الذين اعدوا شهود الزور، بشكل مسبق، كما أعدوا الاتهام -"سابق التجهيز" لسوريا بينما لم تكن حرائق التفجير الذي أودى بركب الحريري والمشتعلة في أجساد الضحايا قد اخمدت بعد.

وبالطبع كان هذا الاتهام المتعجل والإعداد السريع لـ (طبخة الاكاذيب) هذه أحد أهم الدلائل على نية الإضرار بكل من سوريا ولبنان، وايضا بعائلة الحريري نفسها، وفوق كل ذلك محاولة صرف إجراءات التحقيق في اتجاهات تبتعد بها عن الاتجاه المؤدي الى القبض على القتلة الحقيقيين، ومن وراءهم بصفته صاحب المصلحة الاول في تفكيك جبهة متماسكة من أقوى جبهات المقاومة السياسية والعسكرية ضد الهيمنة الاسرائيلية وفرض سياسة الأمر الواقع على المنطقة بدفعها الى التناحر فيما بينها ومن ثم الاستسلام والقبول بما تريده اسرائيل.

موقف رئيس الوزراء سعد الحريري لاشك سيكون له تأثير ايجابي على مناخ التقارب، لأنه بمثابة إعادة الشيء الى اصله بعد ان طالته يد التزوير والتحريف. ويؤسس لمناخ حوار أخوي قائم على الصدق والصراحة، وهو موقف وإن كان قد جاء متأخرا بسبب حالة الخلط والتشوش التي اكتنفت مراحل البحث عن الأدلة وكشف شهود الزور إلا أنه افضل من الا يأتي على الاطلاق. ومما يعزز الآمال في تمتين أواصر المودة بين القيادتين في كل من بيروت ودمشق قيام سعد الحريري بخمس زيارات متتالية الى دمشق للتباحث مع الرئيس السوري بشار الأسد للبحث في افضل السبل لتجاوز الأزمات الخطيرة التي خيمت على علاقات البلدين.

كذلك تعتبر زيارة الرئيس السوري برفقة العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز الى بيروت في الثلاثين من يوليو الماضي بمثابة تكريس لحالة الوئام والتعاضد بين سوريا ولبنان، باعتبار ان مصيرهما واحد في مواجهة كافة التحديات الاقليمية والدولية.

والأمل معقود على أن يقوم التحرك المقبل على أساس بذل الجهد لكشف الذين حاكوا هذه المؤامرة ونفذوها، فكشفهم سيؤدي بالضرورة إلى مكمن المؤامرة ومصدرها، وهذا يتطلب جهودا عربية مكثفة تحتشد خلف البلدين العربيين الشقيقين ودعم صمودهما في وجه هذه المؤامرات، لتبقى العلاقة السورية اللبنانية نموذجا أوليا راسخا يتم تعميمه فيما بعد ليدفع بالوطن العربي كله خطوة في اتجاه الوحدة والتوحد في وجه ما يستجد من أحداث لا يعلم نهايتها إلا الله طالما بقي الصراع العربي الإسرائيلي قائما .