يتداعى مسرعاً النظام العالمي الجديد، الذي برز في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وعادت الدول إلى انفعالاتها، منافسات واختلافات تعود إلى قرون مضت.

لنأخذ أوروبا كمثال في هذا الصدد. فقد أخذت في الانحلال الرؤية القديمة التي دامت على مدار عقود، والتي كانت تنادي بقارة أوروبا الموحدة بلا حدود. وقد أثبت حلم الرفاه من المهد إلى اللحد، أنه مكلّف جداً بالنسبة لسكان أوروبا الذين يعانون الانكماش والشيخوخة.

وتظل الفجوات الثقافية واللغوية والاقتصادية بين ألمانيا واليونان وبين هولندا وبلغاريا، شديدة الاتساع بدرجة يصعب معها جسرها من خلال البيروقراطيين في بروكسل. وعاد حلف شمال الأطلسي للإشارة بتلطف إلى المضمون البغيض للحملات العسكرية الأميركية.

النزعة القومية بدأت تعود حالياً، استناداً إلى الروابط المشتركة الأقوى في مجالات اللغة والتاريخ والدين والثقافة، بل إننا نرى عودة مشكلة أوروبية عمرها قرنان من الزمان، إلا وهي ألمانيا القوية التي تسعى بحكم المنطق إلى نفوذ سياسي أكبر، يتلاءم مع تفوقها الاقتصادي الذي لا يمكن إنكاره.

ولم يعد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المجهد حول مستقبل الضفة الغربية، محور الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، وأصبح العالم العربي الإسلامي الآن أكثر انزعاجاً حيال عودة المتشددين إلى البروز من جديد.

وبدأت تركيا ترتد إلى ماضيها السابق في القرن العشرين، وتخليها عن حلف شمال الأطلسي ليس إلا مسألة وقت. الاتحاد الأوروبي اعتاد إلا يرغب في تركيا، والآن فإن تركيا هي التي لا تريد الاتحاد الأوروبي المتذبذب.

إن النزعة التنضيجية التركية، تمجّد الآن السلطة العثمانية القديمة. وتريد تركيا أن تعيد تنشيط ذلك النموذج الانفعالي كموحّد ومدافع عن الإسلام، وليس عن الدولة الحديثة والعلمانية في عهد كمال أتاتورك. وينتاب جيران تركيا الضعفاء، مثل أرمينيا وقبرص واليونان وكردستان، شعور تاريخي بالخوف.

لا يزال الاقتصاد الياباني راكداً، وسكان اليابان الذين يعيشون في بحبوحة، يتقلص عددهم ويوغلون في العمر. وفي أنحاء أخرى من المنطقة، تتوسع الصين وكوريا الشمالية النووية المعتوهة. إلا أن اليابان ليست على ثقة مما إذا كانت الولايات المتحدة المنشغلة بأمورها الداخلية، لا تزال محل ثقة بشأن وعدها القديم بالحماية ضد أي عدو وكل الأعداء.

وهناك سيناريوهان محتملان في آسيا على جانب كبير من الجهامة؛ فإما أن تملي الصين الصاعدة السياسات الخارجية على اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أو سوف تظهر قوى نووية مستقلة جديدة لكي تعطل الصين، ذلك أن هذه الدول لا يمكنها التعويل على الولايات المتحدة المفلسة من أجل الحماية.

وروسيا الغنية بموارد النفط، والتي حرمت من الإمبراطورية الشيوعية، يبدو أنها تبحث عن الهيبة والنفوذ الإمبراطوري المفقود، من خلال دعم أي شيء تعارضه الولايات المتحدة. وقد تمت ترجمة هذا التوجه من خلال صفقة بيع الخبرة والمواد النووية لإيران، وتوفير الأسلحة للدول المثيرة للاستفزاز مثل فنزويلا، ومعاقبة دول الجوار في ما يتعلق بإمدادات الطاقة.

وغير بعيد من الولايات المتحدة، أصبحت المكسيك صديقاً من نوع غريب. تتحول يومياً إلى مكان أكثر عنفاً وفساداً من العراق أو باكستان، ولا تبدي القيادة البالية في المكسيك أي اهتمام بالإصلاح، إما من خلال انفتاح اقتصادها أو تحرير المؤسسات السياسية.

وبدلاً من ذلك، فإن بقاء المكسيك ذاته يعتمد على القدر المثير للسخرية من تصدير مواطنيها الفقراء والتعساء سنوياً إلى أميركا. ونظراً لاهتمامها بالمال أكثر من شعبها، تعتمد الحكومة المكسيكية على أكثر من 20 مليار دولار من التحويلات التي تعود إلى البلاد كل سنة.

ولكن المواطنين الأميركيين سئموا من قبول تكلفة دعم قرابة 15 مليون مغترب فقير غير قانوني، والعداء المتزايد بين الدولتين تعود جذوره إلى اضطرابات في القرن التاسع عشر على ضفاف نهر ريو غراندي.

كيف ستتعامل أميركا مع هذه المتغيرات المتعلقة بالعودة إلى المستقبل؟ إن أميركا منقسمة سياسياً، وملتزمة بحربين، وتستغرق في ركود عميق، وتعاني الإفلاس ولا تزال فاقدة التوازن من تبعات الركود المالي في 2008، ويبدو أن حكومتنا أصابها الشلل.

وكما انفجرت الاشتراكية الأوروبية داخلياً، تريد حكومة أميركية مركزية جديدة استنساخ الفشل، من خلال الاضطلاع بمسؤولية أكبر في الاقتصاد، واقتراض تريليونات الدولارات من أجل توفير الاستحقاقات الإضافية.

وفيما يتطلع الحلفاء القدامى الذين ينتابهم الذعر، إلى تلقي الحماية الأميركية، فإننا نتحدث عن تخفيض الميزانية الدفاعية. وبشكل يحمل نغمة الاعتذار، فإننا نقضي المزيد من الوقت في طمأنة الأعداء الواثقين، أكثر من دعم الأصدقاء القلقين. وبدلاً من أن نستكمل السور الحدودي ونغلق الحدود الجنوبية، فإننا نقاضي ولاية تحاول تنفيذ قوانين الهجرة، والتي لن يكون بوسع الحكومة الفيدرالية تطبيقها.

وفي الوقت الذي تنتشر الطائفية في الخارج، فإننا داخل أميركا نقلد بصورة كاريكاتورية البوتقة الأميركية التي كانت ناجحة يوماً. ولكن فقط في الوقت الذي تعود فيه المشكلات القديمة، كذلك تعود الحلول القديمة.

فالأفكار التي كانت يوماً ما فظة مثل اقتصاد السوق الحرّ، والدفاع القوي، والحدود الآمنة والوحدة القومية، بدأت فجأة تظهر جديدة ومتسمة بالحكمة.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية

opinion@albayan.ae