في حياة الأمم رجال ترتبط أسماؤهم بالتنوير والتحديث والتطوير، بحيث تتحول مصائرهم، في نهاية المطاف، إلى دلالة حقيقية لا سبيل إلى إنكارها فيما قطعته بلادهم من أشواط في هذه المجالات.

وربما كان في مقدمة الأسماء المرتبطة بالتنوير والتحديث في تاريخ أمتنا رفاعة الطهطاوي، هذا الشيخ الأزهري اللامع الذي تكاد الأجيال العربية لا تعرف عنه شيئاً، على الرغم من أنه كان في مقدمة من قاموا بمد الجسور بين أمتنا وبين سبل الخروج من ظلمة مراحل الانكسار والانحطاط.

ولست هنا بين يدي إلقاء الضوء على مراحل من حياة رائد التنوير الكبير، لكنني أريد الإشارة إلى أن محمد علي قد بعث بالطهطاوي، بناء على اختيار الشيخ حسن العطار، ليكون إماماً للطلاب الذين ابتعثهم إلى فرنسا للنهل من علومها الحديثة.

فجمع بين مهمة المرشد الروحي هذه التي أسندت إليه وبين جهود مذهلة في تعلم اللغة الفرنسية وآدابها وإتقانها، وترجمة الكثير من عيون معارفها، ليعود إلى بلاده لاحقاً لينشئ مدرسة الألسن وليحدث ثورة في عالم التعليم والتطوير في مصر.

يلفت النظر حقاً أن أول كتاب ترجمه الرائد الكبير كان مجلداً حول «خواص المعادن»، وهي التفاتة توحي لنا بأن الرجل، شأن مجايليه وتلاميذه الكثيرين، كان معنياً على وجه الدقة بإمداد أمته بما ينقصها من معارف وتقنيات.

لا أزال أذكر كيف حدثني أحد أحفاد الطهطاوي، وكان يدرس معي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة في أواخر الستينات، أن أكثر ما يثير شعور عائلته بالمرارة ليس تعرض الرائد الكبير للإبعاد، في أواخر حياته، وإنما أن الأجيال العربية الشابة لا تكاد تعرف شيئاً عنه، ولا عن الجهود التي بذلها، والتي ينوء بها جمع من الرجال.

وتبدو المفارقة شديدة، إذا قارنا المصير الذي انتهى إليه رفاعة الطهطاوي بمصير أحد رواد التنوير والتحديث في تجربة التحديث اليابانية الأولى، وهو يوكيتشي فوكوزاوا، الذي كان ينتمي إلى الشريحة الدنيا من طبقة الساموراي.

وحرص على تعلم اللغتين الهولندية والإنجليزية ودراسة الطب، وساهم في مد الجسور بين اليابان، التي عرفت ضراوة العزلة، على امتداد قرنين من الزمان، وكان ضمن الوفد الرسمي الذي أقلته أول سفينة يابانية تشق طريقها عبر المحيط إلى الولايات المتحدة بأيدي ملاحين يابانيين.

هنا يلفت النظر إلى أن أول الكتب التي ترجمها فوكوزاوا إلى اليابانية كتاب عن صيانة الأسلحة الصغيرة، حيث كان من لديهم هذه الأسلحة يقومون بصيانتها بإنزالها إلى آبار المياه ثم تجفيفها، فقدم لهم فوكوزاوا هذا الكتاب، الذي يعد الأول من نوعه، والذي اعتمده الجيش الإمبراطوري بعد ذلك مرجعاً أساسياً على امتداد عقود طويلة.

انطلق فوكوزاوا، بعد ذلك، ليزور فرنسا وروسيا، ولينجز العديد من المهام الدبلوماسية، والطريف أنه حمل إلى اليابان أول قاموس للغة الإنجليزية في تاريخها.

ستمضي الأيام، ويتحول فوكوزاوا إلى المربي الكبير الذي أنشأ جامعة بأمها وأبيها، وخرّج منها أجيالاً عديدة من اليابانيين، وأصدر صحيفة بارزة لا تزال تصدر حتى اليوم، ورفض تولي المناصب الرسمية العديدة التي عرضتها عليه وزارات الخارجية والتعليم والاقتصاد.

وبينما لا يكاد يوجد في عالمنا العربي اليوم من يتذكر رفاعة الطهطاوي، أو يحتفي به، إلا في ندوات أو مناسبات متباعدة يقتصر حضورها على قلة محدودة، فإن اليابان تحتفي دوماً بيوكيتشي فوكوزاوا.

ويكفي أنها تضع صورته على ورقة النقد من فئة عشرة آلاف ين، الأكثر تداولاً بين اليابانيين، وتضع صورة الإمبراطور على فئة أقل أهمية، هي الخمسة آلاف ين.

إن هذا الفارق في الاحتفاء بين الطهطاوي وفوكوزاوا هو نفسه الفارق بين التخلف الذي تتردى الأمة العربية في هوته والتطور الذي تواصل اليابان السير في معراجه، على الرغم من كل ما صادفته من عراقيل، فمتى يضيق اتساعه؟ متى نتجاوزه؟