مر الصراع في الشرق الأوسط بعدة مراحل حاسمة، قبل أن تؤول به الأمور إلى نهاية مقيتة، مؤلمة للفكر والعاطفة والوعي الإنساني العام. في بداية القضية العربية المقدسة، كانت هنالك مواجهة مباشرة وشبه مباشرة وغير مباشرة، بين المحتلين الإسرائيليين وكتل بشرية هائلة.

يصل تعداد هذه الكتل البشرية بسهولة إلى مئات الملايين؛ عرباً ومسلمين، وشعوب دول العالم الثالث، وبقية أحرار العالم. انحسر النزاع وتقلص إلى شكل عربي ـ إسرائيلي.

ثمة عملياً، كانت حدود المواجهة بين الطرفين الإسرائيلي والعربي وما كان يُعرف بدول الطوق؛ مصر وسوريا والأردن. امتدت فعاليات تلك المواجهة، لكن بشكل متناقص مع الزمن، حتى حرب أكتوبر عام 1973. أحدثت نتائج حرب أكتوبر انسلاخاً لبعض القوى العربية الرئيسية عن المواجهة المباشرة النشطة.

انحسرت المواجهة لتضم قلة عددية من الدول والقوى العربية الحزبية، المناهضة أو الممانِعة أو المقاوِمة للسلام مع الكيان الإسرائيلي. عام 1991 أحدث مؤتمر مدريد للسلام انشقاقاً وتراجعاً وتصدعاً حرجاً في صفوف جبهة المواجهة العربية، بالذات حل وساد التعبير الجديد الضيق المعروف ب«النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي».

بذلك، وبما يشبه عمل العصا السحرية، تم إقصاء جل القوى العربية والدولية المساندة والداعمة للكفاح الفلسطيني المباشر، عن ساحة المواجهة الفعلية.

حدث استفراد بالطرف الفلسطيني من قبل الطرف الإسرائيلي السوبر قوي، والمدعوم أميركياً بشكل يميل إلى المطلق. فعلياً بات حال الطرف الفلسطيني المفاوِض على الحقوق الفلسطينية المشروعة، مثل «حال الأيتام على مأدبة اللئام».

بشكل تدريجي، آلت الأمور والوقائع حول القضية الفلسطينية إلى قضايا ضيقة. أصبحت في قسم كبير منها تدخل في نطاق قضايا صراع سياسي وانتخابي داخلي، بين الأحزاب السياسية الإسرائيلية المتنافسة؛ بشكل رئيسي حزبا العمل والليكود الإسرائيليين.

من جانبه قدّم الطرف الفلسطيني المفاوض، مكرَهاً مضطراً ومغبوناً، كل أشكال التنازلات المتاحة له؛ ذلك بدءاً بالتنازلات حول الحقوق الوطنية الفلسطينية الكاملة في الجزء المحتل من فلسطين عام 1948.

ثم أتت التنازلات على النواحي والأمور السياسية والسيادية والثقافية والاقتصادية والعقائدية، وحتى الإنسانية الأساسية، جميعاً بالويلات والثبور.

وصلت حدة التنازلات إلى حد التعامي «الاضطراري» عن الأنشطة الاستيطانية الهمجية، المستبيحة لكل الممنوعات والمحرمات والثوابت والخطوط الحمر.

منذ توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن عام 1994، عادة ما اختار الإسرائيليون قيادات أصولية تلمودية هوجاء متطرفة. القيادة الحالية بزعامة «بنيامين نتانياهو» تنظر إلى ما بعد تأمين السيطرة على كل فلسطين؛ تود التوسع شرقاً وشمالاً وجنوباً، سراً وعلانيةً.

لا تخفي ذلك بأنشطتها وتحرشاتها الروتينية الدورية، بالشعوب والكيانات السياسية العربية والدول المجاورة الأخرى. الهدف هو ابتزاز الآخرين، سياسياً وثقافياً ومالياً وأسواقاً؛ لاستقبال منتجات مصانع المستعمرات اليهودية في الأراضي المحتلة.

الوفد الفلسطيني المفاوض يواجه رأساً فاشياً عنصرياً من النوع الصخري الصلد، هو بنيامين نتانياهو. لم يعد لدى الوفد الفلسطيني من أوراق ضاغطة سوى التمسك بمفاعيل قرارات قانون دولي، لا تعترف بها إسرائيل منذ ولادتها.

هذا الواقع المثبِط المحبِط، هو ما حدا بأحد أعضاء الطرف الفلسطيني المفاوض، إلى أن يعلن أن الوفد سيطالب إسرائيل بالرجوع إلى القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

بالذات سيطالب بتطبيق أو تفعيل قرار التقسيم الصادر عام 1947، وبعده قرار 194 الذي يطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي فقدوها عام 1948، وقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يدعو إلى عودة مناطق محتلة في حرب يونيو عام 1967 إلى السيادة العربية.

مهما تكن المطالب والاستجابات لها، فإن كافة التوقعات تشير إلى أن الوضع أشبه ما يكون بولادة لجنين مشلول أو شبه ميت. الجنين يقبع في رحم في جسم مثخن بالقروح والجروح والتشوهات المزمنة، قد لا تنفع في ولادته كافة الطرق الجراحية المعروفة، التقليدية وغير التقليدية.

بسبب استراتيجية وتكتيكات السياستين الإسرائيلية والأميركية، فالطرف الفلسطيني في وضع لا يُحسد عليه، ميدانياً وسياسياً، دولياً وإقليمياً، وليس أقل من ذلك محلياً.

العودة إلى المربع الأول في التعامل مع القضايا المصيرية مع إسرائيل، دائماً يطرح نفسه عند التطرق للتعامل مع قيادة إسرائيلية يمثلها أمثال بنيامين نتانياهو. بالذات فإن اللجوء إلى خيار المقاومة بكافة أشكالها، هو السبيل الوحيد الذي يظل يلوح في الأفق.

في هذه الحالة، على المنطقة أن تبدأ بإعداد نفسها لمرحلة من الفوضى والعنف وشد الأحزمة والتطرف والتسلح والمواجهات المدمرة! حال لا يتردد الساسة الإسرائيليون في أن يكونوا سببه الأول والأخير.

جامعة الإمارات

Nasrin@uaeu.ac.ae