تبقى الصين الشعبية محط اهتمام العالم، فأين تتجه باقتصادها واستثماراتها ومنتوجاتها موجودة في كافة أرجاء الكرة الأرضية والبعض يرى انها احتلت المركز الثاني في الاقتصاد العالمي بعد الولايات المتحدة متخطية اليابان؟ وأين تتجه في علاقاتها وسياساتها الخارجية؟
فهي قوة صاعدة بالنسبة للبعض، وقوة كبرى عائدة من زمن الحرب الباردة بالنسبة للبعض الآخر، وهي احد طرفي الثنائية القطبية الأميركية الصينية التي تتربع على رأس هرم النظام العالمي بالنسبة للبعض الآخر.
اقتصادياً؛ تبقى الصين الشعبية مصنع العالم، ولكن هذا المصنع بدأ يعاني من المشاكل الاجتماعية: تكاثر حوادث الانتحار بين العمال بسبب ضغوط العمل، سمة بارزة في الأزمة الاجتماعية المتفاقمة، فهنالك جيل جديد من العمال صار يملك الوعي والمعرفة للمطالبة بحقوق اجتماعية واقتصادية وغيرها.
ووجدت الدولة ذاتها مضطرة للانحناء أمام بعض هذه المطالب والتعامل معها إيجابياً، وهناك مخاوف من تحول الاحتجاج العمالي إلى إقامة نقابات، والبعض يطرح سيناريوهات مستقبلية من نوع السيناريو البولندي، حيث قامت نقابة التضامن بقيادة ليش فاليشا بقيادة حركة التغيير في بولندا.
ورغم اختلاف الظروف والخصوصيات الوطنية والدولية، لا يمكن استبعاد تحول الحوادث الاحتجاجية المتزايدة إلى حالة احتجاجية واسعة تحمل نتائج سياسية.
كما أن تراجع الطلب العالمي على اقتصاد الصادرات الصيني، دفع بالصين إلى بلورة سياسة صارت ضرورية منذ فترة وعنواناً لمناشدات داخلية عديدة، وهي سياسة الإنفاق التحفيزي، وقوامها التحول إلى تعزيز الإنفاق الداخلي والسوق الداخلية، مع «ازدياد الحاجات» نتيجة التغير، ولو البطيء، في منظومة القيم الاجتماعية.
ولجأت السلطة في إطار تعزيز السوق الداخلية، إلى سياسة اقتصادية استثمارية من خلال الإنفاق على بناء وتعزيز وتوسيع شبكة البنية التحتية.
تحول آخر على صعيد الاقتصاد الداخلي يلوح في الأفق، وقوامه التحدي الديمغرافي القادم، إذ إن الشعب الصيني يشيخ، ويجب إيجاد مصادر مالية ضخمة في العقدين المقبلين، للإنفاق على هذه الشريحة المهمة وغير المنتجة، والتي تزداد اتساعاً في المجتمع الصيني.
تحديات داخلية ليست بالسهلة، ولكنها تستدعي قطيعة مع إرث من الثقافة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الصينية المستقرة. فهل تنجح الصين في هذا التحدي؟ وما هو الثمن الذي يجب أن تدفعه لتحقيق هذا النجاح؟
على صعيد الخارج، تبدو السياسة الصينية ذات أبعاد ثلاثة؛ أولها دبلوماسية اقتصادية ناجحة تشكل مدخلا فعالا لتعزيز المكانة الدولية للصين الشعبية، يدل على ذلك الاستثمار الصيني في إفريقيا وأميركا اللاتينية، وقد وصفه أحدهم بأنه «استثمار دون استعمار»، إذ لا توجد خلفية استعمارية تشكل عائقا أمام الانتشار الصيني، يستدعى من الماضي ليسقط على الحاضر كلما كانت هنالك أزمة في هذا الحاضر.
فالقدرة التنافسية وعدم وجود أية سلبية تاريخية، وعدم ارتباط السياسات الاقتصادية بسياسات او مواقف «تبشيرية ديمقراطية»، تطل برأسها بين الحين والآخر كما هي الحال مع الدول الغربية.
إما كورقة ضغوطات أو كتعبير عن دينامية داخلية في الدول الغربية، كل هذه العناصر تسمح للصين الشعبية بتعزيز قدرتها التنافسية وتوظفيها على صعيد الدبلوماسية الدولية، كما يظهر من العلاقات الصينية الإفريقية والصينية اللاتينية في الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات الدولية.
ثاني هذه الأبعاد دبلوماسية لعبة توازن قوى تقليدية ناشطة، فالصين الشعبية تعزز من علاقاتها مع الباكستان، وخاصة في المجال النووي، لإحداث توازن أمام التحالف الأميركي الهندي.
والصين تحاول الإبقاء على توازن ليس بالسهل، ولكنه ضروري لمصالحها في الشرق الأوسط، في إطار الصدام الأميركي الغربي من جهة مع إيران من جهة أخرى.
والصين اذ تنفتح تدريجياً على الولايات المتحدة في إطار علاقات يصفها الأميركيون ببداية شراكة استراتيجية، تعمل في الوقت ذاته على تعزيز علاقاتها مع موسكو، سواء من خلال اتفاق استراتيجي للحوار والتعاون الشامل، أو من خلال الدبلوماسية الاقتصادية التي تتمثل في الاستثمار الصيني الكثيف لاستغلال الثروات الطبيعية في سيبيريا.
فروسيا تدرك حاجتها إلى الصين لتطوير تلك المنطقة التي يرى البعض أنها صارت تتحول إلى منطقة صينية، وأنها في المستقبل قد تكون بمثابة مكان التقاء بين القوتين الكبريين تشتركان في ادارتها، بسبب الوجود المالي والديمغرافي الصيني المتزايد، لكن في نهاية الأمر فإن ذلك يعزز الارتباط وعلاقات الاعتماد المتبادل بين الطرفين.
كما أن الصين ترى في مجموعة العشرين التي تنتمي إليها، ورقة أساسية لتعزيز نفوذها من خلال العلاقات الخصوصية التي تربطها بقوى الجنوب الأعضاء في المجموعة، في «حوارها» مع القوى «الشمالية» أو الغربية.
والبعد الثالث في الدبلوماسية الصينية يمكن وصفه بالبعد البراغماتي، حيث نجحت الصين في التغلب على الحساسية التاريخية التي تربطها بالجار الخصم اليابان، وذلك من خلال سياسة تقارب نشطة تجاه طوكيو، قوامها تعاون استراتيجي واقتصادي من أجل خلق ما سماه احد كبار المسؤولين الصينيين «المصالحة التاريخية» بين الطرفين.
ويرى هذا المسؤول مستقبل العلاقات الصينية اليابانية مشابهاً لما حصل في الحالة الفرنسية الألمانية، رغم ان تطبيع العلاقات الصيني الياباني ما زال في مرحلة البداية. وهذه البراغماتية تمكن ملاحظتها في علاقات أشد تعقيداً وصعوبة، وهي العلاقات الصينية التايوانية، فالتقارب عبر التعاون الاقتصادي بين الطرفين له أعداؤه الكثيرون في البلدين، لكن قطاره قد انطلق.
يبقى السؤال قائماً؛ هل اننا أمام نشوء نظام عالمي ثنائي القطبية أميركي ـ صيني، تحكمه «حرب سلمية» كما يقول جاك آتالي، أم ان الدولة القارة كما يسميها البعض والدولة الحضارة الكبرى كما يسميها البعض الآخر.
ينخر جسمها كثير من نقاط الضعف قد تؤدي مع الوقت إلى انشغالها بالداخل أمام تحديات إعادة هيكلة سياسية واقتصادية واجتماعية، الأمر الذي يبطئ أو يعرقل تموضعها كقوة دولية أساسية في العالم؟
هل تتحول الصين إلى اعتماد النموذج الاقتصادي الغربي ومعه بعض النموذج السياسي مع الوقت، أم أنها ستقدم ذاتها مع إصلاحات قائمة كنموذج للدول النامية وكقاطرة لهذه الدول في العالم؟
وهل ستصاب الصين بما يسمى «السندروم السوفييتي» الذي أصاب الاتحاد السوفييتي وحوله من قوة عظمى إلى إمبراطورية مفككة، بسبب التناقضات ونقاط الضعف الداخلية التي نخرت الجسم السوفييتي؟
هذه كلها أسئلة يجيب عليها المستقبل، وتخص الجميع باعتبار ان ما قد يحصل للصين ستكون له نتائج على السياق العالمي كله.
كاتب لبناني
hitti@wanadoo.fr
