ولأن الصوم ترويض للنفس الأمارة بالسوء غالبا في سالف العصر وأوانه، فإن شهر رمضان كان عبر تاريخنا الإسلامي وقتا لقهر الغرائز وضعف البدن والتفوق على مبهرات البيولوجيا، فكانت الفتوحات الصعبة تحدث في هذا الشهر الكريم.
نظرة واحدة إلى ساحات الوغى وصنع الأمجاد التي غدت في حاضرنا أماكن أثرية وتاريخية، لا تستقطب عشر حشود مباراة رياضية أو حملة مجمع تجاري تسويقية، نظرة واحدة كفيلة بحبس الأنفاس الصائمة.
لمجرد تخيل حجم المشقة التي يقطعها الفارس للوصول إلى عدو مدجج بأعتى الأسلحة، ومن ثم ينطلق بلا رعدة أو رعشة لتحطيم قلاع حصينة وتدمير إمبراطوريات شاهقة الأبراج وذائعة الرعب.
والصوم ما زال ترويضا للنفس، لكن مفهوم الترويض اختلف، فغدا أشبه بترويض عجلة الإنتاج والاقتصاد وتعاملات العباد، وحتى الخطط الشخصية للقيام بنزهة داخلية مثلا، تحال إلى قارعة ما بعد رمضان.
ناهيك عن غرق الموظف في موجة كآبة تودي بحياة معظم الملفات المتشبثة بأطراف مكتبه، في حين أن من كان لا يعرف أن يقلي بيضة ـ مثلي ـ أصبح منافسا مهما لأشهر الطباخين، لكثرة الساعات التي يقضيها في المطبخ بحجة مساعدة سيدة البيت في إعداد السلطة أو الشوربة.
هنا الأمور عادية جدا ولم نأت بجديد، لكن المقارنة تجبر المرء على عدم ابتلاع الغصة، بل الاحتفاظ بها في الحلق أطول مدة، على مرارتها تنبت صرخة.
مقارنة أناس يحملون جمرة الإيمان في قلوبهم وقيظ الصحراء تحت أقدامهم وشح الموارد على أكتافهم، ويسيرون شهورا يحثون فيها الخطى نحو ساحات المعارك ليخوضوا حروبا صبغت المدى بالأحمر، ويبنون حضارة منارة لكل الأمم، هذا من جهة وما بين مواقيت لمفاوضات مباشرة بين عدوين فلسطيني وإسرائيلي.
ناب عن كل منهما مرتدو حلل أنيقة وربطات عنق مرمزة بأشهر المصممين، ويجلسون على مقاعد مريحة تعينهم على ساعات النضال التفاوضي الطويلة في قاعات مكيفة، ورغم ذلك يصار إلى تقطيع الوقت عبر احتفالات بروتوكولية تدشينية إلى ما بعد رمضان.
على أننا لا نقلل من خطورة وأهمية الجهد التفاوضي، فلم يتحرر شعب على وجه البسيطة إلا بعدما عنون هذا التحرر على مائدة المفاوضات، وندرك أن المفاوض الفلسطيني أمام خصم مسلح أكثر منه بقوة فائقة على الأرض، ومستوى تكنولوجي سخر له صور ستة أقمار صناعية وخرائطها.
قوى كبرى تتحكم في مصير الأرض تقف إلى جانبه رغم بعض العتب أحيانا، عرب ما زال نصفهم يتحدث حتى عن ترف إنشاء الجامعة العربية، ووضع فلسطيني داخلي موزع بالتساوي بين أجندتين، فلا يدري المطارد في الجبال هل يتحول إلى مفاوض أم قاتل مأجور.
هو شهر يبرز أكثر مكامن الضعف التي استوطنت حتى مخيلة العربي تحديدا من بين سائر المسلمين، حين استمرأ أن الأجداد كدوا جدا فلا داعي لإعادة الكرة، من دون الالتفات إلى أن شعلة المجد بحاجة لمداد لا ينقطع.
هذا، وفق البعض، ما يفسر تعلق الآلاف منا بمسلسل «باب الحارة»، لما يقدمه من قيم وأخلاق ونبل اجتماعي سياسي مفتقد في راهننا العاجز، رغم أن العقيد أبوشهاب لم يقتل وما زال حيا، لكنه ضل طريقه إلى مسلسل آخر فأضحى بائع حمام.
Adonis02@hotmail.com