ظل غزاة أفغانستان الجدد بقيادة الولايات المتحدة يتصرفون كالتلميذ البليد الذي لا يستوعب دروس التاريخ والجغرافيا، خاصة تلك المتعلقة بأفغانستان التي يلقبها بعض المراقبين بـ (مقبرة الغزاة) والتي قيل عنها إن الجيش الوحيد في التاريخ الذي هزم الأفغان وتضاريسهم هو الاسكندر الأكبر بينما اخفق في اخضاعها الامبراطورية البريطانية والاتحاد السوفيتي واخيرا التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في مطلع القرن الحالي.

فالغزاة الجدد بينهم دولة لقيت هزيمة سابقة في افغانستان وهي انجلترا إلا انها ايضا لم تتعلم من تجاربها السابقة وراح زعماؤها مرغمين وراء اليمينيين الجدد من الولايات المتحدة لغزو بلاد الأربعين ألف مغارة على أمل إخضاعها .

وحتى وقت قريب سمع العالم تصريحات لقادة التحالف الدولي في افغانستان باحتمال تحقيق النصر، مع ان الواقع على الأرض كان يخالف ذلك تماما، وها هو الاعياء قد بدا على وجوه عديد من قادة التحالف الأميركيين وبدأت السياسة الأميركية في التغير والميل للمهادنة في افغانستان على أمل الخروج بشكل يحفظ ماء الوجه من هذا المستنقع الدامي.

وكان قد طلب الرئيس الأفغاني حامد قرضاي موافقة التحالف الدولي على التفاوض مع حركة طالبان لكن القادة الأميركيين رفضوا ذلك، ثم بالامس قرر قرضاي ان يشكل مجلسا للسلام، فيما يعد استراتيجية جديدة للتعامل مع كل الأطراف على المسرح الأفغاني بمن فيهم من كانوا من قبل متهمين بالفساد والارهاب .

ونرجو ان يكون تشكيل هذا المجلس تعبيرا عن قناعة الدول الغازية لافغانستان باستحالة الانتصار في هذه الحرب وهو ما يمكن البناء عليه من خلال الترحيب البريطاني بتشكيل المجلس لإجراء محادثات سلام مع طالبان.

وحيث نهضت لندن للترحيب بالقرار (الذي يستمد جذوره من رغبة الشعب الأفغاني) وباعتبار أن لندن توصلت الى قناعة (بعد كل هذه الخسائر) الى ان الأمن لن يتحقق في افغانستان بالوسائل العسكرية وحدها، حسب تعبير متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية امس، في معرض تعقيبه على قرار تشكيل مجلس السلام الافغاني.

والحقيقة ان الشعب الافغاني الآن بحاجة ماسة لالتقاط الانفاس وايقاف النزيف المستمر من دماء أبنائه والدمار الذي لحق بنيته التحتية، وهو بحاجة الان لبرامج تنمية، وليس لخطط جديدة لاقتحام مزيد من المغارات والدروب الجبلية الوعرة بحثا عن اشباح.

لقد واجه الأفغان اكبر واقوى حملة عسكرية في التاريخ بالنظر الى العدد الكبير للدول التي شاركت فيها تحت اسم (ايساف) وسالت دماء مئات وآلاف من كل الأطراف لذلك فالمطلوب من قبل الأطراف المتحاربة جميعها أن تتجاوب مع هذا التوجه وأن تدعمه انطلاقا من الشعور بالمسؤولية تجاه حق الشعب الأفغاني في العيش بسلام وبناء مستقبل افضل للحياة الكريمة للاندماج في المجتمع الدولي، وبناء علاقات متوازنة مع دول العالم على أساس الاحترام المتبادل للمصالح والقبول بالآخر وبكافة حقوقه المشروعة في إطار القانون الدولي والمواثيق التي تنظم العلاقات بين الدول.

خاصة وأن العديد من الدول، ومن بينها دول مشاركة في حملة (إيساف) على افغانستان،نصحت مرارا بأن الطريق الأمثل لوضع حد للنزاع في افغانستان لن يمر سوى من خلال عملية سياسية تضم كافة الأطراف على مائدة مفاوضات تعالج مختلف التداعيات المحيطة بعملية الغزو وفي مقدمتها وضع حد للإرهاب والارهاب المضاد الذي شهده المسرح الأفغاني منذ غزو ذلك البلد في اعقاب حدث الحادي عشر من سبتمبر 2001 .