المشهد في البيت الأبيض الأميركي أثناء «الاحتفال» الخاص بإطلاق المفاوضات المباشرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كان يبدو مثل فيلم يعاد عرضه على الشاشة بعد أن مل الجمهور مشاهدته على مدى سبعة عشر عاما، الحماس غائب، والآمال شاحبة، والخطابات لا روح فيها ولا جديد، والكل يظهر على المسرح كأنه يؤدي واجباً ثقيلاً، وليس شريكا في حدث تاريخي كما هو مفترض.

والمفارقة أن هذه اللحظة الذي ذهب إليها الجانب الفلسطيني مرغماً وذهب إليها الجانب العربي بلا أمل حقيقي، كان يمكن أن تكون غير ذلك لو كنا نحسن إدارة معاركنا الأساسية ونعرف كيف نستفيد من المتغيرات العالمية والإقليمية، وكيف نستغل أوراق القوة التي نملكها في حسم الأمر لصالحنا.

فلم يحدث أن كانت إسرائيل موضع إدانة العالم كله كما هي اليوم. فهي محاصرة من رأي عام عالمي يطارد زعماءها ويطالب بمحاكمتهم كمجرمي حرب، ويطالب حكوماته بفرض المقاطعة عليها باعتبارها كياناً استعمارياً عنصرياً يستحق أن يعامل كما كان يعامل النظام العنصري في جنوب إفريقيا قبل سقوطه.

والحرب العدوانية على لبنان ثم على غزة تكشف للعالم طبيعة هذا الكيان الصهيوني الذي لا يعرف إلا لغة القوة والتوسع، والحكومة الإسرائيلية اليمينية ليست إلا تجسيداً لرفض السلام ورئيسها يفخر بأنه الذي قضى على اتفاق أوسلو، ووزير خارجيتها ترفض معظم دول العالم استقباله، وصيحات التحذير من الداخل والخارج ترتفع خوفاً من خطر نزع الشرعية القانونية والدولية عنها، وفرض العقوبات عليها حتى تخضع لهذه الشرعية.

في نفس الوقت كان التغيير الدراماتيكي في الإدارة الأميركية بمجئ أوباما، والتطورات في حروب أميركا وورطاتها في العراق وأفغانستان وباكستان والأوضاع في المنطقة والخلاف مع إيران والتطورات في تركيا، كانت كلها تفرض على أميركا سياسة جديدة في المنطقة تسعى فيها لعلاقات جيدة مع العالمين العربي والإسلامي.

وفي إطار ذلك جاء الإعلان من جانب أوباما بضرورة التعامل مع القضية الفلسطينية منذ اليوم الأول لولايته، وباعتبارها المفتاح لحل سائر قضايا المنطقة وتحقيق الاستقرار فيها، والأهم هو التأكيد بان تسوية الصراع العربي الإسرائيلي هو «مصلحة أميركية»، باعتبارها الطريق الوحيد لإرساء علاقات طيبة مع العرب ومع المسلمين، وباعتبارها عاملاً أساسياً في محاصرة تيارات التطرف في المنطقة وضمان الخروج الأميركي الآمن من العراق وكسب الحرب في أفغانستان وتأمين المصالح الأميركية في المنطقة.

وبصرف النظر عن التراجع بعد ذلك من جانب الرئيس الأميركي وإدارته أمام ضغوط اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط اليمينية المؤيدة لإسرائيل في أميركا والمسيطرة على الكونجرس، ومع خروج نتنياهو منتصراً في هذه الجولة التي حاول فيها أوباما فرض الإيقاف التام للاستيطان، ومع إدراك حاجة أوباما للانحناء أمام ضغوط اللوبي اليهودي وهو مقبل على انتخابات تشريعية في نوفمبر، مع ذلك كله ظل أوباما متمسكاً بالرهان على تسوية للصراع العربي الإسرائيلي مازال يراها ممكنة ومازال مؤمناً أنها تحقق مصلحة أميركا.

وهو رهان يؤمن الجميع أنه لابد سيتحطم علي صخرة حكومة نتنياهو من ناحية وعجز الإدارة الأميركية في النهاية عن فرض رؤيتها (التي تري فيها مصلحة أميركا) مع وجود اللوبي اليهودي والكونجرس الذي يضع مصلحة إسرائيل قبل مصلحة أميركا.

ولكن ذلك كله لا ينبغي أن يسقط مسؤوليتنا ( فلسطينياً وعربياً ) عن الموقف البائس الذي نذهب فيه ـ مرغمين ـ إلى مفاوضات نعرف مقدماً أنها لن تؤدي إلى شئ، ونبدو فيها طرفاً ضعيفاً بينما نتنياهو يفرض شروطه وهو الذي كان ينبغي أن يحضر المباحثات محاصراً بجرائمه وبإدانة العالم لحكومته، وبالرعب من خطر نزع الشرعية الدولية عن الكيان الصهيوني ليواجه مصير النظام العنصري الذي كان قائماً في جنوب إفريقيا.

لو كنا نحسن إدارة صراعاتنا، لكان الطرف الإسرائيلي الآن تحت حصار السلام، ولما ذهب الطرف الفلسطيني وهو في أضعف حالاته، ولما جلس أبو مازن في المباحثات وهو يعرف أن كل الفصائل الفلسطينية داخل وخارج منظمة التحرير ليست معه، وجماهير «فتح» ومعظم قيادتها أيضاً تعارض هذه المفاوضات التي لم يدخلها هو إلا مرغماً وعلى أساس «إننا لن نخسر شيئاً»، أو على أساس «لم يبق شيئاً لنخسره».

لو كان الصف الفلسطيني موحداً، ولو كانت الراية الفلسطينية واحدة لتغير الموقف، ولكان من الممكن التعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية المواتية. ولا شك أن «حماس» و«فتح» تتحملان المسؤولية عن التطورات الأخيرة.

ولكن الكارثة بدأت قبل ذلك، والكل في فلسطين يواجه الثمار المرة لأوسلو وللمنهج الخاطئ الذي ارتضى تأجيل القضايا النهائية، وقبل أن يلقي السلاح ويصادر المقاومة قبل أن يحرر الأرض وينال الاستقلال، وفرح بعلم فلسطيني فوق مبنى حوصر فيه عرفات بعد ذلك حتى الخلاص منه.

في وضع فلسطيني بهذا البؤس، وفي وضع عربي لا يملك البدائل التي تربط مصالح العالم (وأميركا في المقدمة) بتحقيق السلام واسترداد الحقوق، تكون النتيجة الذهاب إلى مفاوضات قد يكون فشلها المبكر فرصة للإفلات من الأخطر.

حيث الحلول المؤقتة التي بدأ الترويج لها، والدولة بالتقسيط على عدة سنوات تمارس فيها إسرائيل العربدة والتوسع والتهويد، من خلال اتفاق مبدئي أو اتفاق إطار يتم خلال العام المقرر، ثم يترك التفاصيل لاتفاقات أخرى يجري التفاوض عليها ربما لسبعة عشر عاماً أخرى، بعد أن يكون الطرف الفلسطيني قد دفع الثمن مقدماً وغالياً كما حدث في «أوسلو» من قبل !!

كاتب صحفي مصري

galal.aref@hotmail.com