تعد دولة الإمارات واحدة من أحرص الدول على الأخذ بكل الأساليب الحديثة التي تساير متطلبات التنمية المستدامة، بما فيها من خطط وبرامج ومناهج بحيث تخدم الواقع المحلي والعربي.
ومصطلح التنمية المستدامة يعني أنها تلك العملية التنموية التي لا تتوقف عند مرحلة بعينها وإنما تواكب المتغيرات المجتمعية الحاصلة وتسايرها بكل ما تتطلبه كل مرحلة من مستجدات ومتغيرات، بحيث تتم الاستفادة القصوى من كل البرامج والخطط.
والتنمية لا تعني جانباً واحداً وإنما كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بحيث تنعكس كل تلك الجوانب على الحياة الحضارية والفكرية وتصب جميعها في خانة واحدة تخدم المجتمع وترتقي به.
ولذا حرصت دولة الإمارات منذ تأسيسها على تبني البرامج والخطط التي يحتاجها مجتمعنا وتواكب تلك المتغيرات الحاصلة في محيطه الإقليمي والعربي. ولكن هذا لا يعني عدم وجود خطط طموحة خاصة بمجتمعنا، بحكم أن مجتمعنا مجتمع شاب يتميز بخصوصية ثقافية وإثنية معينة ومن حقه أن يحلم للوصول إلى أعلى المراتب.
بعض الخطط والبرامج والاستراتيجيات التي نفذت واستفاد منها المجتمع هي خطط من واقع مجتمعنا، وهي خطط مطبقة حاليا وناجحة لأنها مدروسة بعناية، ولذا فهي مستدامة وسوف تعطي ثمارها مستقبلاً، ولكن هناك خطط وبرامج تظل عبارة عن أمنيات صعبة التحقيق لأنها وببساطة إما أنها غير مدروسة بعناية وإما أنها وضعت على عجل وبدون تنسيق، ولذا بقيت على مر السنين حبراً على ورق.
من تلك الخطط والاستراتيجيات التي سمعنا عنها في حينها ثم انتهت هي استراتيجية «العقد الثقافي العربي» وهي خطة بدأت في العام 2006 والمفروض أنها تبقى لغاية 2016 وتبقى حية في ذاكرة الإعلام الثقافي على أقل تقدير.
لقد كانت مبادرة متميزة ولو طبقت بكل ما جاء فيها من توصيات لأنها سوف تغني الساحة الثقافية العربية والمحلية، وتخلق نوعاً من التواصل الثقافي العربي ـ العربي. وعلى الرغم من الضجة التي أحاطت بإطلاق العقد الثقافي العربي في حينه إلا أن هذه الضجة والاحتفالات انتهت ما إن انتهى عام 2006 ولم نعد نسمع عنها شيئاً منذ تلك الفترة. وهذا يعني إما غياب التنسيق بين الجهات المعنية وإما أنها كانت احتفالات وقتية طالت الحدث آنذاك وانتهت بانتهائه.
من ناحية أخرى فإن التنمية بشكل عام والمستدامة خصوصا لا تعني نسف كل الخطط السابقة والإتيان بالجديد الذي لا يعني دائما أنه الأفضل. فالخطط والبرامج والاستراتيجيات القديمة فيها الكثير من الايجابيات أحيانا وربما تتفوق على المعدلة أو الجديدة في الكثير من الأحيان.
فمثلاً بعض أساليب ومناهج التربية والتعليم القديمة تحمل الكثير من القيم المتميزة والايجابيات العديدة. فالجميع يتذكر مثلًا، أيام الدراسة عندما كان طابور المدرسة يبدأ بالتمارين الرياضية لم يكن يوجد طالب بدين أو طالبة بدينة.
ولكن إلغاء التمارين المدرسية بالإضافة بالطبع إلى أساليب الحياة الحديثة، هو الذي جعل اليوم حوالي نصف طلبة المدارس بدناء. وما ينطبق على طابور الصباح ينطبق على المناهج التعليمية المعدلة. فقد مرت المناهج بغربلة ولكن هل تفكير وقدرة أبنائنا على التفكير والتحليل اليوم أفضل من ذي قبل؟
إن التنمية لا تعني دوما الجديد ولكن القدرة على الاستفادة وتنمية كل المصادر المتوفرة لدينا واستخدامها الاستخدام الأمثل. كما أن هناك أحيانا فهما خاطئا للتنمية عموما وللتنمية المستدامة بوجه خاص.
حيث يتم التركيز في مصطلح التنمية على البناء المادي وإغفال مجالات الحياة الأخرى وعلى رأسها بناء الإنسان باعتبار أنه وسيلة التنمية وغايتها في كل الأوقات.
من ناحية أخرى، فإن فمهموم التنمية ليس مقصورا على دور الأنظمة والحكومات، بل يشمل دور الهيئات ومؤسسات النفع العام والأفراد. ولكن في دولتنا، مثل باقي مجتمعات الرفاه، تظل الدولة هي المسؤولة عن التخطيط وضع الاستراتيجيات التي توفر الخدمات وتضمن شموليتها لكل مواطن على أساس تحقيق الرفاهية للأفراد والجماعات والمجتمع على أسس من العدالة الاجتماعية، وبالتالي تمهد الطريق أمام صناعة المستقبل للأجيال القادمة.
إن إشراك كل من مؤسسات المجتمع المدني والمواطن في وضع الخطط والاستراتيجيات المستقبلية هو في مصلحة المجتمع والفرد معا. ومن الواضح أن دولة الإمارات تبدو حريصة كل الحرص على أن تكون التنمية مستدامة وعلى الأخذ بها كعملية كاملة غير مجزءة. فالدولة تدرك مثلًا، أنه لن تقوم تنمية اقتصادية ناجحة دون تنمية اجتماعية وثقافية مواكبة.
كما تدرك أيضا أهمية دراسة كل البرامج والخطط والاستراتيجيات جيدا قبل تطبيقها؛ لأنها سوف تخدم في النهاية الإنسان الذي هو هدف كل خطط التنمية المستدامة. وما لم تكن هناك خطط مواكبة للمتغيرات الاجتماعية الحاصلة فلن تكون النتيجة ناجحة.
ولكن في خضم انشغالنا بالتنمية يجب أن نكون حريصين ومنتبهين إلى حقيقة مهمة وهي أنه ليس كل تغير هو تنمية. لذا فإن الفهم الجيد لمفهوم «التنمية» سوف يساهم إلى حد كبير في تطبيق كافة الخطط والاستراتيجيات الموضوعة على الطاولة.
كما أن دراسة الخطط والبرامج والاستراتيجيات بعناية فائقة قبل تطبيقها للتأكد من ملاءمتها لواقعنا هو هدف يجب أن يضعه صناع القرار أمام أعينهم حتى لا يتم هدر المال والوقت في انتظار نتائج لن تتحقق.
إن للتنمية المستدامة متطلبات وشروطاً من الضروري الالتزام بها حتى تكون العملية تامة وغير مبتسرة. فمن غير المنطقي تبني خططاً لا تلائم واقعنا المحلي والإقليمي والعربي، ومن غير المنطقي أيضا مسايرة الغير في بعض البرامج والاستراتيجيات التي يثبت فشلها في النهاية. إن التنمية المستدامة هي تلك التي تؤتي بثمارها كاملة غير منقوصة وتنعكس إيجابا على البناء المادي والبشري لمجتمعنا.
جامعة الإمارات
