إن من أصعب الأمور، التي تواجه الإنسان في حياته، أو لنقل في مسيرة حياته العملية، حينما يشعر بالغبن، أو عدم الاحترام، أو في حالات أخرى عدم التقدير، وكأنه يدرك إن من يعمل ويجتهد ويلتزم لا يصل إلى شيء.

بينما يحاول من لا يعمل تحطيم ذلك الإنسان الملتزم والقائم بأداء واجباته الوظيفية على أحسن وجه، إن المجتمع الذي لا يحترم من يعمل، ويرفع للسماء السابعة أولئك، الذين همهم الأساسي البروز الإعلامي، والذهاب إلى الدواوين، تلك الدواوين التي يتم فيها اتخاذ القرارات، ورفع من لا يستحق، وتجاهل من يعمل بإخلاص، يعتبر مجتمع مهدد ومريض، وهذه هي بداية للنهاية، فمن غير المعقول، أن تختفي الوقائع من خلال بعض الإجراءات الإدارية التي لا تخدم المصلحة العامة.

إن الوضع العربي، بشكل عام، يشكل مأساة لهذه الأمة، والتي تمتلك كل مقومات النهضة، بل هي الأفضل من بين كل الأمم، أليست من سخرية القدر أن يحن الإنسان العربي إلى عودة الماضي، وبعبارة أدق الحنين إلى مرحلة ما قبل الاستقلال.

والتحرر من قيود القوى التي هيمنت على العالم على مدى ما يزيد من ثلاث قرون من الزمان. ألا تدل المسلسلات التلفزيونية خلال الشهر الفضيل، على حنين الإنسان إلى مرحلة ما قبل «الثورات» والانقلابات العسكرية والتي حدثت في أهم العواصم العربية سواء في المشرق أو المغرب العربي. وكأن تلك كانت جزءاً من مشروع قتل التطور الطبيعي للمجتمع العربي.

أليست الدعوة إلى عودة العهد السابق، اعترافاً بفشل تلك المشاريع، وهي التي جعلت الإنسان العربي، يعيش في حالة اغتراب حسب النظرية الماركسية، فكم يحن الإنسان في العراق ومصر، وليبيا والجزائر وغيرها إلى تلك المرحلة، لقد ساهمت العديد من القوى، سواء بحسن نية أو غير ذلك إلى إجهاض التطور الطبيعي، ولعل التجربة الروسية، والدول التي كان يطلق عليها دولاً اشتراكية، جعلت الإنسان في تلك الدول يكفر بها؟!

هل من المعقول أن تزداد نسبة البطالة بين دول تستقطب الأيدي العاملة سواءً الماهرة أو غيرها، وتبلغ نسباً تقرع ناقوس الخطر، ولعل الجميع يدرك خطورة الإنسان العاطل عن العمل، مما يؤدي إلى ازدياد نسبة الجريمة، وارتفاع نسبة من يمارس أقدم مهنة في التاريخ.

وإن الشباب العربي بات عاطل عن العمل، لم تعد الحلول ذات الطابع التخديري، تحل أي من تلك المشكلات، أنها أصبحت ككرة الثلج، تزداد حجماً يوما بعد يوم. إلاّ إن المواجهة، لم ترق إلى المستوى المطلوب.

فهل يعقل أن يعاني الإنسان العراقي من الفقر، والاضطهاد والتمزق في المذهبية والعرقية، وأن يذل ذلك الإنسان المبدع، أين هي حضارة الرافدين، وأين هي من الكرامة، لقد لعبت الطائفية البغيضة دورها في خلق حواجز بين الشعب الواحد، فهل من المعقول أن يحن الإنسان إلى عصر الاضطهاد والقمع، وعدم احترام إنسانية الإنسان. إن ما يجرى ما هو إلا عالماً من الوهم والانحدار.

إلى أين ذهبت دولة سلة الخبز، وإلى أين ذهب الذهب الأسود، وإلى أين ذهبت الكرامة العربية، من حق من وقف ضد ذلك، أن يرفع راية الانتصار على أمة، هي تمثل الوسط، أين ذلك الإنسان الذي رفع سيفه ضد من اعتدى على امرأة في مكان ما، إن ما يجرى في الوطن العربي، يمثل قمة المأساة في القرن الجديد.

بالأمس شاهدت شخصيات ذات تاريخ، إلا أني لم أشاهد ذلك التاريخ، كان الركام، والانكسار باديا على وجوه أولئك، فهل من المعقول أن ينكسر الجبل، وأن تقوم جموع النمل بالتهامه، لم أصدق عيني بما رأت، بل اعتقدت أنني أعيش في كابوس من الأحلام.

في هذه اللحظة من الكوميديا السوداء، برز ذلك الذي لا أرغب في مشاهدته، وتحت الأضواء الساطعة، ضحك وبصوت عميق، ومزعج، جعل الجميع يغادرون القاعة، اللهم أولئك الذي يحلمون بغدٍ جديد.

وبصوته الجهور قال: «ألم اقل لكم أنكم أمة من أعماق التاريخ، أنكم في خبر كان وإخوانها وأخواتها التي لا تحبون».

لقد رحلت عنكم القيادات التاريخية، ولم يبق إلا النادر منهم، وأولئك حاصرتهم القوى المعادية، وكبلتهم بالقيود، حتى لا يستطيعوا الحراك، إلا ضمن شروطهم القاسية، إلا أن الفرسان لا تقيدهم الأغلال، فهم دائماً في المقام الأول فرسان، إلا أنهم يحتاجون إلى جياد أصيلة سينحصر تفكيرهم في الوطن والإنسان. فهل يدرك الإنسان العربي، إن النهضة والعمران في دورة مستمرة، وإن الحياة تحب من يؤمن بأن لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس.

أستاذ علم الاجتماع السياسي

almutawa_mohammed@hotmail.com