ليس من المبالغة في شيء القول إن المفاوضات المباشرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وبين حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو التي انطلقت أمس الأول في العاصمة الأميركية يمكن أن تشكل بداية تقود إلى نتائج إيجابية لصالح الحل والسلام وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في إطار حل الدولتين الذي يجري العمل لبلورته في خطوطه الرئيسية والمحددة والواضحة كذلك.

غير أن الوصول إلى أية نتائج إيجابية تنتظرها شعوب المنطقة بمن فيها الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي، سوف يتوقف إلى حد كبير على ما سيجري خلال الفترة القادمة، ليس فقط في غرف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولكن أيضا ما سيحدث في دوائر عديدة وواسعة تمتد من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين وتمتد ربما بامتداد المنطقة والعالم من حولها أيضا.

ومع الوضع في الاعتبار أن مفاوضات واشنطن التي حظيت برعاية الرئيس الأميركي والرئيس المصري والعاهل الأردني، التي شاركت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في جانب منها، تجري في ظل محاولات عديدة ومستمرة لعرقلتها وإفشالها من جانب أطراف فلسطينية وإسرائيلية وإقليمية معارضة للمفاوضات، وبمنطلقات وأهداف مختلفة بالطبع، فإن إشارة الرئيس أوباما إلى عدم السماح بعرقلة المفاوضات وإفشالها من جانب معارضيها يكتسب أهميته من أنه يكشف عن إدراك عميق لدوافع مواقف الأطراف المعارضة من ناحية.

وعن تصميم على تفويت الفرصة عليهم من خلال السير في المفاوضات دون تأثر كبير بما حدث وقد يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة من محاولات لإثارة مزيد من التوتر مع المستوطنين الإسرائيليين أو مع القوات الإسرائيلية المحتلة، خاصة وإن الفترة الماضية شهدت هدوءا ملموسا، بل وحرصا من جانب حركة حماس على عدم اطلاق أية صواريخ في اتجاه إسرائيل من قطاع غزة. وعلى ذلك فإن العمليات الأخيرة في الخليل ورام الله تدخل في إطار العلاقات المعقدة بين السلطة الفلسطينية وبين حركة حماس على امتداد السنوات القليلة الماضية.

وإذا وضعنا جانبا الخلاف بين فتح وحماس والانحدار الشديد في لغة التعامل بين الجانبين وهو أمر لا يساعد سوى على توسيع شقة الخلاف وإضافة عناصر ومآخذ وتعقيدات أخرى للعلاقات بين أكبر فصيلين فلسطينيين، فإنه من المؤكد أن المفاوض الفلسطيني يحتاج إلى الكثير من الدعم والمؤازرة على المستوى الفلسطيني بشكل أساسي وعلى المستويين العربي والدولى كذلك، حتى يمكن إضفاء مزيد من القوة على موقفه، وحتى يمكنه الحصول كذلك على أكبر ما يمكن الحصول عليه من حقوقه من خلال التفاوض مع حكومة نتانياهو. فهل ما يجري على الساحة الفلسطينية يصب في هذا الهدف؟

وبينما يعاني الوضع الفلسطيني من كثير من الخلافات والسلبيات المترتبة على ذلك، فإن السؤال أيضا هو هل يمكن للدول العربية التي أيدت المفاوضات المباشرة أن تقوم بدور في دعم المفاوض الفلسطيني بشكل ملموس؟ نعم قدمت المشاركة المصرية والأردنية في إطلاق المفاوضات في واشنطن دعما مهما وملموسا للمفاوض الفلسطيني ولجهود السلام، ولكن من المهم والضروري أيضا أن يكون الدعم العربي على أوسع نطاق ممكن وبأقوى الوسائل الممكنة.

ومن خلال جامعة الدول العربية والوسائل الأخرى كذلك، حتى يشعر المفاوض الفلسطيني بشكل خاص والجانبان الإسرائيلى والأميركى بوجه عام، بأن الدول العربية ليست بعيدة عما يجري على مائدة المفاوضات وأنها تقف بقوة إلى جانب المفاوض الفلسطيني حتى يتمكن من استخلاص حقوقه المشروعة ووفق القرارات والشرعية الدولية. على أية حال فإن الأيام القادمة، وحتى موعد انعقاد الجولة الثانية من المفاوضات التي ستعقد في شرم الشيخ في منتصف الشهر الجاري ستشهد على الأرجح الكثير مما سيلقى بظلاله بالضرورة عليها وعلى الأوضاع في المنطقة ككل.