بالإعلان الأميركي الرسمي عن الانسحاب العسكري من العراق عام 2012 لعرقنة الحرب والهروب بالجلد الأميركي قبل مواجهة الهزيمة التي بدت قادمة، وعن انسحاب قواتها المقاتلة من أفغانستان عام 2014 لأفغنة الحرب والهروب بعد مواجهة الهزيمة التي بدت صادمة، فهذا إعلان أميركي بأن الاستعمار مشروع فاشل وأن الاحتلال لا محالة مصيره الزوال، وأن الحرب مقامرة خاسرة..

وبعد دفع كل هذه الفاتورة الاقتصادية والعسكرية والبشرية والأخلاقية الباهظة، والاضطرار إلى التراجع والانسحاب والانتقال من استراتيجية الهجوم والعدوان إلى استراتيجية الدفاع والإذعان لإرادة الشعوب تحت الضغوط الدامية من المقاومة الوطنية العراقية والأفغانية فذلك إعلان أميركي بالإخفاق والفشل للمشروع الإمبراطوري الأميركي الغربي في الشرق العربي والإسلامي.

ورغم أنه من هذا الشرق أشرقت رسالات السماء على العالم لإعلاء حقوق الإنسان ولبناء عمارة الأرض، وكرسالة سلام بين سكان المعمورة وبين السماء والأرض، إلا أنه من الغرب هبت علينا حملات الاستعمار استعبادا للإنسان واستيلاء على الأرض في عدوان من الإنسان على حريات وحقوق الإنسان واستغلال من الإنسان لأخيه لإنسان.

ورغم أنه في الشرق قامت أعرق الحضارات الإنسانية على أنبل القيم وبقيت آثارها في مصر والعراق والشام شامخة ومبهرة وفي فارس والهند والصين تؤكد للعالم أن الشرق عموماً والشرق العربي والإسلامي خصوصا هو من علم العالم العلم والأدب والفنون، وبالذات في القرون الوسطى التي كانت عصور الظلام في أوروبا وعصور النور والازدهار في الشرق الإسلامي..

فإنه من الغرب هبت كل حروب العدوان والاحتلال وكل عواصف الفتن والشرور بأهداف استعمارية وفق مشاريع توسعية إمبراطورية تستهدف تذويب الهوية الدينية والقومية، وتفتيت الوحدة القومية والوطنية، والسيطرة على المواقع الاستراتيجية وعلى الثروات الطبيعية لشعوب هذا الشرق وجعله سوقا مفتوحا لمنتجاتها، وتستهدف أخيراً، فرض التغريب باسم التحديث، وفرض الأمركة باسم العولمة.

وبدءًا من الحروب الصليبية باتجاه فلسطين ومصر والشام بدأ الغرب حروبه العدوانية ضد الشرق الإسلامي أساسا وفقا لمشاريعه الإمبراطورية التي كانت تخفي أهدافها الاستعمارية تحت ستار الدين، بينما الدين المسيحي بريء من كل أشكال العدوان وسفك الدماء واحتلال أراضي الشعوب.

ومرورا بالحرب العالمية الأولى التي كان من نتيجتها هزيمة الدولة العثمانية التي كان مركزها تركيا وحيث كانت استانبول هي عاصمة الخلافة العثمانية وتفكيك آخر أشكال الوحدة الإسلامية، وفرض الوصاية الاستعمارية تحت عناوين الحماية والانتداب على كل المنطقة العربية التي كانت جزءا من تلك الدولة، وبداية تأسيس المشروع الصهيوني في فلسطين في قلب المنطقة.

ونهايةً بالحرب العالمية الثانية التي شهدت بروز القوة الأميركية بأحلامها الإمبراطورية وتطلعها نحو الشرق لوراثة النفوذ الاستعماري الأنجلو فرنسي، وحيث تم إعلان الدولة الصهيونية برعاية أنجلو أميركية، وتقسيم المنطقة العربية الواحدة إلى دول ودويلات تحت الوصاية الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية، حتى استطاعت بالمقاومة والكفاح نيل استقلالها بدءًا بسوريا ولبنان في نهاية الأربعينات ومرورا بالجزء الأكبر في الخمسينات، ونهاية بالجزائر بعد مقاومة مجيدة في بداية الستينات.

وحدها فلسطين هي التي بقيت حتى اليوم ترزح تحت الاحتلال العنصري الاستيطاني الصهيوني الذي يشكل أكبر قاعدة عسكرية استعمارية في المنطقة، بعد رحيل كل أشكال الاستعمار القديم واستمراره في شكل استعماري أطلسي جديد مازال حتى اليوم في مشاهد كثيرة يمارس هيمنته العدوانية بالقواعد العسكرية والضغوط السياسية والسيطرة الاقتصادية وبالحروب الثقافية على معظم أجزاء الوطن العربي والأمة الإسلامية.

ثم بدأ فصل جديد لمواصلة الحروب الاستعمارية العدوانية ضد الدول العربية والإسلامية مع نمو المشروع الصهيوني في فلسطين بدعم أميركي وقيامه بأداء دوره كرأس حربة وعصا غليظة للمستعمرين الجدد في ضرب الدول والأنظمة العربية والإسلامية التحررية الرافضة للاحتلال الصهيوني وللهيمنة الأميركية، ومواصلة المشروع الإمبراطوري الاستعماري القديم ومنع قيام أي قوة عربية أو إسلامية كبرى في الشرق تهدد قاعدتهم العسكرية «إسرائيل» أو تعرقل المشروع الأميركي للهيمنة على المنطقة،.

وهو ما جرى تنفيذه أميركيا بواسطة إسرائيل في عدوان يونيو عام 1967 على مصر وسوريا والأردن، وهو ما استمر تنفيذه تحت عناوين مفبركة وزائفة بعد إنهاء حالة الحرب بين مصر والأردن وإسرائيل وإبرام معاهدات سلام بينهم بعد هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر عام 1973، بالحرب العدوانية الصهيونية لغزو لبنان عام 1982، وبالحرب الأميركية العدوانية لاحتلال أفغانستان عام 2002، ولغزو العراق بوجه أطلسي مكشوف عام 2003، وفي الحرب العدوانية على لبنان بقرار أميركي وتنفيذ إسرائيلي عام 2006، وعلى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحاصر عام 2009 بتواطؤ غربي.

لكن المشروع الصهيوني الأميركي للشرق الأوسط الجديد واجه في جل حروبه الإخفاق والفشل في تحقيق أهدافه المعلنة وذلك بفضل المقاومة الشعبية الوطنية وبدعم الصمود الشجاع لعدد من الدول العربية والإسلامية المناهضة لمشاريع الاحتلال الصهيوني في فلسطين والاحتلال الأميركي في أفغانستان والعراق، وإن نجح في تحقيق بعض أهدافه المستترة بإعادة شق الصف العربي والإسلامي، وبإشعال الفتن العرقية والطائفية والمذهبية، لتأمين إسرائيل لتبقى القوة العسكرية النووية الوحيدة في المنطقة.

وإزاء كل تلك الإخفاقات والهزائم في كل تلك الحروب العدوانية اضطرت الإدارة الأميركية أخيراً لإعلان خطط الانسحاب أولا من العراق، وهو ما بدأت تنفيذه فعلا الأسبوع الماضي، وثانيا من أفغانستان وهو ما قررت البدء في تنفيذه منتصف العام المقبل.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com