التنسيق العربي المشترك في مواجهة التحديات التي تعترض المنطقة أصبح أكثر إلحاحًا عن أي وقت مضى، سواء كان ذلك في مواجهة التحولات المناخية وما يترتب عنها من أضرار، أو في مواجهة الأزمات الاقتصادية المفاجئة التي تدفع المنطقة العربية ثمنها دائمًا دون أن تشارك في صنعها.
وقد أوصت القمة الاقتصادية العربية في الكويت والتي التأمت في يناير من العام الماضي (2009) بمضاعفة الجهود العربية لتحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي العربي، باعتباره هدفًا أساسيًّا تسعى لتحقيقه كافة الدول العربية لتحقيق تطلعات شعوبها نحو اليوم الذي يتحقق فيه حلم قيام السوق العربية المشتركة.
ومن المقرر أن يعقد آخر هذا الشهر اجتماع استثنائي للجنة العليا لتنسيق العمل العربي المشترك بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة لمتابعة خطوات تنفيذ مقررات قمة الكويت، والتمهيد لعقد القمة الاقتصادية الجديدة المقررة في التاسع عشر من يناير المقبل في القاهرة، ومن المؤمل أن تكون التجارب الصعبة التي واجهتها بعض دول العالم خلال الشهر الماضي، وبخاصة الحرائق في روسيا والفيضانات في جنوب وجنوب شرق آسيا قد أعطت المهتمين بالعمل على تفعيل العمل العربي المشترك مؤشرًا لحجم التداعيات الثقيلة التي تخلفها التحولات المناخية على اقتصادات العالم المعاصر.
بل إن تلك التداعيات قد تركت بصماتها على بعض الدول العربية، حيث أدت الارتفاعات غير العادية في درجة حرارة الجو إلى مشكلات وتعقيدات في صدد توفير إمدادات المياه والطاقة الكهربية، وكانت قمة الكويت أيضًا قد أوصت بالعمل على تحقيق التنمية المستدامة بشأن الطاقة وإنشاء سوق عربية للطاقة الكهربية، وتعزيز شبكات النقل البري والبحري والجوي فيما بين الدول العربية، فإلى أي مدى تحقق هذا الهدف مرحليًّا حتى الآن؟
لقد كانت توصيات قمة الكويت طموحة وباعثة على الأمل في مستقبل عربي أفضل خاصة في المجال الاقتصادي، لكن التطبيق يظل محاطًا بعلامات استفهام، حيث النتائج العملية على الأرض تظل متواضعة بالنظر إلى غياب آليات عملية لتحقيق هذه الطموحات العربية.
على سبيل المثال إذا كانت الحرائق التي أصابت مناطق في روسيا وارتفاع درجات الحرارة هناك إلى مستويات قياسية قد أدت إلى وقف صفقات القمح الروسي المتعاقد عليها، فإن الاكتفاء الذاتي من القمح عربيًّا لم يأتِ أحد على الحديث عنه، بينما توجد في بعض دولنا العربية فرص كبرى متاحة لزراعة مساحات شاسعة بالقمح ضمن خطة عربية واضحة المعالم لدعم هذا التوجه، ومع ذلك ما زال بعض العرب يردد مقولة "السودان سلة الغذاء العربي".
وقد أدى الاعتماد طويل المدى على الواردات إلى إهمال مساحات كبيرة من زراعات القمح أو تحويلها إلى مناطق سكنية، والآن جاء الوقت ليدرك المعنيون بتأمين مصادر الغذاء العربي مدى أهمية التوعية بالحفاظ على كل قطعة أرض صالحة للزراعة، والتحول عن زراعات ترفيهية إلى محاصيل فصلية لتوفير مصادر الغذاء.
وما بين قمة الكويت السابقة وقمة القاهرة اللاحقة تظل أنظار الشعوب العربية معلقة إلى مسرح الحدث انتظارًا لإعلان واضح وقوي عن خطة عربية شاملة للتدخل السريع لمعالجة أية أزمات طارئة تتعلق بالأمن الغذائي، فنحن الآن في سعة من الوقت تسمح لنا بالتفكير على نحو أفضل قبل أن تفاجئنا مستحدثات تفوق قدرتنا على المعالجة السريعة لعواقبها.
